أخبار دولية

كلمة رئيس مجلس الأسرة العربية للتنمية بالملتقى الثالث عشر للمجلس

علاء حمدي

ألقت الدكتورة آمال ابراهيم رئيس مجلس الأسرة العربية للتنمية كلمة خلال انطلاق اعمال الملتقى الثالث عشر للمجلس تحت عنوان “الأمن النفسي للأسرة العربية وحماية الشباب من الإدمان من منظور نفسي أكاديمي” قالت فيها :

أصحاب المعالي والسعادة، أيها العلماء والأكاديميون الأجلاء، سيداتي سادتي الحضور الكريم، بداية، يطيب لي أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير لجامعة بدر على استضافتها الكريمة لهذا الملتقى، وعلى ما تقدمه دومًا من دعم للفكر والبحث العلمي الجاد. كما أخص بالشكر والتقدير مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية، برئاسة اللواء محمد الكشكي، على جهوده المتميزة في تنظيم هذا الحدث، وحرصه الدائم على طرح القضايا المجتمعية الحيوية في إطار علمي رصين يليق بحجم التحديات التي تواجه أسرنا العربية.

حين نتحدث عن “الأمن”، فإننا غالبًا ما تتجه أذهاننا نحو الحدود والجيوش وصون الأوطان من الأخطار الخارجية. لكن هناك أمنًا أكثر خفاءً، وأشد فتكًا حين يغيب، هو الأمن النفسي؛ ذلك الحصن الداخلي غير المرئي، الذي إن انهار، انهارت خلفه الأسرة، ثم المجتمع، ثم الأمة بأسرها، دون أن تُطلق رصاصة واحدة.

وقد سبق العلماء المسلمون الأوائل إلى هذا الفهم العميق، حين ربط الإمام الغزالي بين طمأنينة القلب واستقامة السلوك، مؤكدًا أن اضطراب النفس هو أصل كل انحراف. وهذا ما تؤكده اليوم الدراسات النفسية الحديثة، حين تُجمع على أن أغلب حالات الإدمان تنشأ من رحم القلق والفراغ العاطفي، لا من ضعف الوازع وحده.

إن الإدمان الذي نجتمع اليوم لمناقشته ليس، كما يُتصور أحيانًا، أزمة أخلاقية أو انحرافًا سلوكيًا طارئًا، بل هو في جوهره العلمي “عرَض” لمرض أعمق، ومحاولة – وإن كانت مدمرة – للهروب من فراغ نفسي، أو ألم لم يجد من يحتويه، أو صوت داخلي لم يُصغِ إليه أحد في الوقت المناسب. فالمدمن، من منظور علم النفس الإكلينيكي، ليس بالضرورة “ضعيف الإرادة” كما يُشاع، بل هو غالبًا إنسان افتقد الأمان النفسي في محطة مفصلية من حياته، فبحث عنه في وهمٍ عابر، ظنه ملاذًا فإذا به قيد.

وهنا تكمن خطورة القضية وعمقها: فحين تغيب الأسرة عن دورها كـ”قاعدة آمنة” – بالمفهوم النفسي الذي أرسى دعائمه علماء نظرية التعلق – فإنها، دون قصد، تفتح الباب أمام بدائل أكثر خطرًا تملأ ذلك الفراغ. فالابن الذي لا يجد في بيته مساحة للتعبير عن غضبه أو خوفه أو حيرته، سيجدها حتمًا في مكان آخر، وقد لا يكون هذا المكان آمنًا.

من هنا، فإن حماية شبابنا لا تُبنى بالخطاب الوعظي وحده، ولا بالتحذير والتجريم فحسب، بل بإعادة بناء العلاقة الأسرية على أسس نفسية سليمة: أسرة تُنصت قبل أن تحكم، تحتوي قبل أن تُعاقب، وتفهم أن الصحة النفسية ليست ترفًا فكريًا، بل هي خط الدفاع الأول والأخير عن أبنائنا.

ولا يفوتني هنا أن أشير إلى الدور المحوري الذي تلعبه المؤسسات الإعلامية الرصينة في هذه المعركة الصامتة، وفي مقدمتها مؤسسة الأهرام العريقة، التي لم تكتفِ بنقل الخبر، بل تجاوزته إلى صناعة الوعي، من خلال منصاتها المختلفة التي فتحت نوافذ حقيقية للحوار المجتمعي حول قضايا كانت إلى وقت قريب من “المسكوت عنه”. فالإعلام المسؤول شريك أصيل للأسرة والمؤسسات الأكاديمية في مواجهة هذا الملف، حين يقدّم المعرفة بدل الإثارة، والفهم بدل التجريم.

إن هذا الملتقى، بما يحمله من طرح أكاديمي رصين، يمثل خطوة نحو تفكيك هذا الملف بعقلانية بعيدًا عن ردود الأفعال العاطفية أو الأحكام الجاهزة، وصولًا إلى فهم حقيقي يُترجم إلى سياسات أسرية ومجتمعية فاعلة.

وأنا، إذ أجدد الشكر لجامعة بدر ولمركز الدراسات الاستراتيجية الدولية ولكل باحث ساهم بجهده العلمي في إثراء هذا الحوار، ولكل مؤسسة آمنت بأن قضايا الأسرة تستحق منصة جادة كهذه، فإنني أؤمن أن أعمق أشكال حماية أوطاننا، تبدأ من حماية استقرارنا النفسي الداخلي، أسرةً أسرة، وإنسانًا إنسانًا.

فالأمان الحقيقي لا يُستورد ولا يُفرض بالقانون وحده، بل يُزرع في وجدان الطفل منذ نعومة أظفاره، ويُغرس في كل نظرة حانية، وكل كلمة صادقة، وكل حضور أسري حقيقي وسط زحام الحياة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى