لماذا تستحق زيارة الاربعينية ان تدرس(3)

بقلم /المهندس رسول العذاري
الفصل الثالثعندما أصبحت الشعيرة رسالةهل تستطيع مسيرة على الأقدام أن تغيّر صورة مذهب في أذهان الناس؟قد يبدو السؤال غريبا، لكن ما حدث في زيارة الأربعين خلال العقود الأخيرة يدعو إلى طرحه بجدية.فعلى امتداد قرون طويلة، امتلك علماء الشيعة تراثا علميا واسعا في الفقه، والتفسير، والحديث، والفلسفة، والكلام. ومع ذلك، بقي هذا التراث في معظمه يدور داخل البيئة الشيعية، ليس بالضرورة لضعفه، وإنما لأن الظروف السياسية والمذهبية، وما رافقها من أحكام مسبقة وصور نمطية، جعلت كثيرا من المسلمين يعزفون عن قراءته أصلا. فالإنسان لا يناقش فكرة إذا كان قد حسم موقفه من صاحبها قبل أن يسمعها.لكن مع اتساع ظاهرة الأربعين، حدث تحول يستحق التأمل. فبدل أن يتعرف الناس على الشيعة من خلال ما يكتب عنهم، أصبح كثير منهم يتعرف إليهم من خلال ما يراه بعينيه.هناك ملايين يسيرون مئات الكيلومترات، وآلاف المواكب تقدم الطعام والشراب والمبيت والعلاج مجانا، ومتطوعون يخدمون غرباء لا يعرفون أسماءهم ولا جنسياتهم ولا مذاهبهم، وكل ذلك بدافع ديني وإنساني. سواء اتفق المراقب مع هذه الشعيرة أم اختلف معها، فإنه يجد نفسه أمام ظاهرة يصعب تجاهلها.وهنا يبرز سؤال مهم: هل استطاعت الأقدام أن تفعل ما لم تستطعه الأقلام؟فقد ألّف علماء الشيعة مئات الكتب عبر التاريخ، لكن تأثير الكتاب يبقى غالبًا محصورا بمن يختار قراءته. أما الأربعين، فإنها تفرض نفسها على وسائل الإعلام، وعلى الباحثين، وعلى الزائر، وعلى كل من يشاهد هذا المشهد الإنساني الفريد. إنها لا تقدم فكرة مجردة، بل تقدم تجربة يعيشها الإنسان بنفسه، والتجربة كثيرا ما تكون أبلغ من الخطاب.ولا يعني ذلك أن كل من يشارك في الأربعين سيعتنق المذهب الشيعي، فهذه ليست دعوى الدراسة، كما أن قياس نجاح الظاهرة بعدد من يغيرون انتماءهم الديني سيكون تبسيطا مخلا. لكن من المشروع أن نسأل: هل ساهمت الأربعين في كسر كثير من الصور النمطية التي تراكمت عبر قرون؟ ويبدو أن الجواب، في حالات كثيرة، هو نعم. فكثير من الزائرين والباحثين خرجوا بانطباع مختلف عن ذلك الذي حملوه قبل مشاهدة هذه الظاهرة عن قرب.ولعل هذا هو التحول الأهم؛ فقد انتقلت مدرسة أهل البيت، في نظر كثير من الناس، من أن تكون موضوعا يُقرأ في كتب التاريخ والجدل، إلى واقع اجتماعي وإنساني يشاهد ويعاش. ومن هنا يمكن فهم إصرار المرجعيات الدينية، والشرائح الشعبية، على إحياء هذه الزيارة عاما بعد عام، لأنها لم تعد تمثل ذكرى تاريخية فحسب، بل أصبحت وسيلة للتواصل، والتعارف، وتقديم صورة عملية عن القيم التي يؤمن بها أتباعها.إن الأفكار لا تنتشر بالمناظرات وحدها، بل بالسلوك أيضا. وربما كانت هذه هي الرسالة الأعمق التي تحملها زيارة الأربعين؛ فهي لا تدعو الآخرين أولا إلى قراءة كتاب، بل إلى مشاهدة تجربة، ثم ترك الحكم لعقولهم وضمائرهم………يتبع



