مقالات

ماذا بقي من الهلال


هادي جلو مرعي

    في العام 2004 وبعد أشهر عدة على قيام الولايات المتحدة بإحتلال العراق، وإسقاط نظام صدام حسين زار الملك الأردني عبدالله بن الحسين العاصمة الأمريكية واشنطن، وهناك أدلى بتصريحات غير مسبوقة إستخدم فيها ولأول مرة عبارة (الهلال الشيعي) محذرا من تحالف بين حكومة موالية لطهران في بغداد، ومتعاونة مع حكومة الأسد في دمشق، وصولا الى لبنان حيث يتصدر حزب الله المشهد، ويدخل في مواجهة مفتوحة مع الكيان الإسرائيلي.
    الملك الأردني  عبر عن مخاوف المجموعة العربية السنية من تداعيات الإحتلال الأمريكي، وصعود الشيعة في المنطقة مشكلين مايشبه الهلال حسب التوصيف، وهو يحيط بالبلدان العربية السنية، ويهدد وحدتها، وفي حينه كانت حكومات عربية تعيش هاجس الخوف من التحول الصادم الذي مكن الشيعة من تولي السلطة في بغداد، والتحالف الطبيعي الذي سيتبع ذلك بين طهران وبغداد ودمشق ولبنان، وتماهى النظام العربي الرسمي مع تلك المخاوف، وعمل الكثير من أجل تقويض قيام نظام سياسي يعتقد إنه جزء من المنظومة الإيرانية التي لايرتاح العرب لها، ويتخوفون منها.
     الهلال الشيعي أثار الهلع في المحيط العربي السني، وإستدعى مواقف عربية تعددت أشكالها، وكانت المخاوف متصاعدة من الدور الأمريكي الذي وجد العرب إنه يساعد في تقويض النظام العربي التقليدي، وتكررت المحاولات لإنتزاع موقف أمريكي يعيد للتحالف التقليدي حضوره في المنطقة، وماساعد على ذلك إن الصعود الشيعي قابله مواجهة مع عدو لايرحم، وينظر الى النهايات من زاوية المحو لا المهادنة والنقاش والإتفاق، ويريد أن يكون لوحده في ميدان الحياة، وكانت القضية الفلسطينية هي الإختبار الكبير الذي تبين من خلاله كيف يتم تحديد المسارات المقبلة، ففي حين حمل الشيعة لواء المواجهة القاتلة، كانت الحكومات العربية تسارع الى التطبيع مع إسرائيل، وتعزز تحالفاتها مع الولايات المتحدة التي تريد لنفوذها أن يتسع ويستمر، ولإسرائيل أن تكون السيدة الأولى في منطقة الشرق الأوسط دون منازع، وكانت البداية مع حزب الله في لبنان الذي خاض حروبا عدة مع إسرائيل إنتهت بإغتيال زعيمه السيد حسن نصر الله، وتقوية النظام الرسمي اللبناني الذي رفع سقف مطالبه من نزع سلاح الحزب، الى تفكيك بنيته التحتية، وتعظيم دور الجيش اللبناني إعتمادا على عمليات الجيش الإسرائيلي الذي ظل يقوم بتصفية عناصر الحزب عبر الطائرات المسيرة والعبوات الناسفة.
    في هذا الوقت كان الهلال يتم قضمه بهدوء من جهته السورية حيث عملية تجميع تركية لمجموعة فصائل مسلحة بالتوافق مع الأمريكيين وقوى حليفة لإنهاء نظام الرئيس بشار الأسد الذي فر الى روسيا تاركا دمشق تستقبل قوات الرئيس الجديد أحمد الشرع، وفي ذات الوقت كان الأمريكيون والإسرائيليون يتوعدون نظام الثورة الإسلامية، ويقومون بأدوار متعددة لتفكيكه من خلال دعم الجماعات الإصلاحية، والترويج لمظاهرات تخرج إحتجاجا على صعوبة العيش، ومعاناة الإقتصاد، ومع تكرار الإجتماعات التي تهدف الى الوصول لإتفاق حول الملف النووي قامت الولايات المتحدة وإسرائيل بشن عمليات عسكرية على إيران أدت في بدايتها الى إغتيال أبرز القيادات السياسية والدينية، وفي مقدمتها مرشد الثورة الإسلامية السيد علي خامنائي في محاولة لإسقاط النظام، قوبل بضربات صاروخية لقواعد أمريكية، ومصالح حيوية في دول عربية كشفت عمق الخلل في البنية الدفاعية، وغياب الدور الأمريكي في حمايتها بالرغم من إن تلك الضربات عمقت الهوة بين تلك الدول وإيران. وهو الأمر الذي يتهدد العراق الذي توجد فيه قوى تعلن إنها ضد الوجود الأمريكي، وتتماهى مع الرؤية التي عليها التحالف الذي تتزعمه إيران، ولايبدو من نية لدى الأمريكيين لوقف الحرب، بينما هي الفرصة التي قد لاتتكرر لإسرائيل لتكون كبرى كما في وعود التوراة..
أخشى إن الهلال الشيعي سيتحول الى محاق، بإنتظار خسوف كلي للقمر السني خلال سنوات قليلة، أو إن الثقوب السوداء الإسرائيلية ستبتلع الجميع الى أن يشاء الله، أو يحدث أمرا، وهو على كل شيء قدير…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى