سوق واقتصاد

ماذا حدث في العمليات الاستيرادية بعد 1/1/2026؟

تقرير / المهندس منار العبيدي


مع بداية عام 2026، تفاجأ عدد كبير من التجار بتطبيق مجموعة من الإجراءات الجديدة المتعلقة باستيراد السلع إلى العراق. ورغم أن هذه الإجراءات لم تكن وليدة اللحظة، بل سبقتها أشهر من الندوات والحوارات والاجتماعات مع الجهات المعنية، إلا أن واقع الحال يؤكد أننا – كالمعتاد – لا ندرك أبعاد التغيير بشكل كامل إلا بعد دخوله حيّز التنفيذ.
في هذا السياق، يمكن تلخيص أبرز ما جرى في ثلاث نقاط رئيسية:
أولاً: تطبيق التعرفة الكمركية
يعتقد البعض أن التعرفة الكمركية التي بدأ تطبيقها مع مطلع 2026 هي قرار مستحدث من الحكومة الحالية، إلا أن الحقيقة مغايرة تماماً. فهذه التعرفة مقرة قانوناً منذ عام 2010 بموجب قانون التعرفة الكمركية رقم (22) لسنة 2010، لكنها لم تُطبق فعلياً طوال السنوات الماضية. وعليه، فإن ما حدث لا يعد قراراً جديداً، بل هو تنفيذ متأخر لقانون نافذ أقرته السلطة التشريعية قبل أكثر من عقد.
ثانياً: الاحتساب الكمركي المسبق
لطالما ارتبطت التحويلات الخارجية، في النقاش العام، بملفات تهريب الأموال وتضخيم الفواتير. ما جرى اليوم هو استجابة عملية لهذه المخاوف عبر اعتماد آلية الاحتساب الكمركي المسبق، أي تحديد الرسوم والالتزامات الكمركية قبل إجراء التحويل المالي، مع استيفائها عند دخول البضائع فعلياً. هذه الخطوة تهدف إلى قطع الطريق أمام التحويلات الوهمية، والحد من تضخيم الفواتير، وضمان دخول البضائع بصورة رسمية وقانونية، مع تحصيل حقوق الدولة كاملة.
ثالثاً: التأمينات الضريبية
بالاستفادة من نظام الأسيكودا، شرعت الحكومة بتطبيق نظام التأمينات الضريبية على البضائع المستوردة عند وصولها، وفق نسب محددة ومعلنة مسبقاً. على أن يتم في نهاية السنة المالية إجراء التسوية الضريبية النهائية، حيث تُحتسب الضريبة المستحقة على الشركة ويتم خصمها من مبالغ التأمينات التي جُبيت خلال عمليات الاستيراد.
هذه الإجراءات الثلاثة تمثل جوهر ما بدأ تطبيقه مطلع عام 2026. وقد يثار تساؤل حول ارتفاع نسب التعرفة الكمركية، وهنا لا بد من التوضيح أن تحديد هذه النسب ليس من صلاحيات السلطة التنفيذية، بل هو من اختصاص السلطة التشريعية التي أقرت القانون في عام 2010. وبالتالي، فإن أي مسعى لتعديل هذه النسب يجب أن يتجه نحو مجلس النواب، لا تحميل الحكومة مسؤولية قوانين نافذة.
وقد يبرز تساؤل آخر: لماذا تم تطبيق هذه الآليات الآن؟
الإجابة ببساطة أن الدولة أنهت أخيراً مشروع أتمتة الكمارك والمنافذ الحدودية، وهو مشروع طال انتظاره، واستفاد من تأخره كثيرون خلال السنوات الماضية.
أما عن سبب ارتفاع سعر الدولار، فهو يعكس جانباً مهماً من انحسار تهريب العملة وتضخيم الفواتير. فمع تشديد الرقابة وتطبيق هذه الإجراءات، اتجه الباحثون عن الدولار لأغراض غير مشروعة إلى السوق الموازي لتعويض النقص الذي طرأ على السوق الرسمي.
وبخصوص شكاوى بعض التجار من صعوبة الدخول إلى المنصات أو ضعف تجاوب بعض المصارف، فهذا أمر متوقع في المراحل الأولى من التطبيق، وسيحتاج إلى وقت لاستيعاب جميع التجار وتنظيم عملياتهم، والتحقق من سلامة الإجراءات وصحتها قانونياً.
يبقى السؤال الأهم: هل سترتفع الأسعار؟
الواقع أن ارتفاع سعر الدولار لن يكون الأثر الوحيد، إذ من المتوقع أن ترتفع أسعار العديد من السلع، لا سيما الاستهلاكية منها، ما سيؤدي إلى زيادة معدلات التضخم. وفي هذا السياق، تصبح الحاجة ملحّة لاتخاذ إجراءات اقتصادية “جراحية” لزيادة الإيرادات غير النفطية، رغم ما قد يترتب عليها من آثار على المواطن في المرحلة المقبلة. ويبقى التحدي الأهم أمام الدولة هو الحفاظ على استقرار أسعار السلع الأساسية، وفي مقدمتها الغذاء والدواء والنقل، لضمان عدم تحميل المواطن البسيط كلفة هذه التحولات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى