مثلث “نيودلهي-تل أبيب-أبوظبي”: خارطة طريق لشرق أوسط جديد تحت ظلال “المطرقة” الأمريكية

بقلم: أحمد عادل
باحث في الشؤون الجيوسياسية والإستراتيجية
بينما يقف العالم على أطراف أصابعه ترقباً لمواجهة عسكرية وشيكة بين واشنطن وطهران، يبرز في الأفق تحالف جيوسياسي “صامت” يعيد رسم موازين القوى. لم يعد المحور الذي يربط نيودلهي بتل أبيب وأبوظبي مجرد صفقات تجارية عابرة، بل تحول مع مطلع 2026 إلى قطب مغناطيسي صلب يفرض واقعاً استراتيجياً يتجاوز الحسابات التقليدية.
2026: عام التحولات الكبرى و”درع الأمان”
شهد يناير الجاري توقيع الإمارات والهند لاتفاقية “الشراكة الدفاعية الاستراتيجية الشاملة”، والتي لم تقتصر على التعاون العسكري التقليدي، بل شملت:
الطاقة النووية: تعاون غير مسبوق في الاستخدامات السلمية.
التصنيع العسكري: إنتاج مشترك للمسيرات الانتحارية وأنظمة الدفاع الجوي.
مشروع IMEC: تحول ممر (الهند-الشرق الأوسط-أوروبا) من مشروع اقتصادي إلى “درع أمني” يربط موانئ دبي بحيفا، مما يجعل استقرار المنطقة مصلحة قومية هندية مباشرة.
واشنطن وطهران: “سياسة الحافة” ومطالب الإذعان
لا يمكن قراءة صعود هذا المحور بمعزل عن “المطرقة” الأمريكية. مع حلول يناير 2026، رفعت إدارة الرئيس دونالد ترامب سقف التهديد، واضعة طهران أمام خيارين: القبول بالشروط أو “تفكيك النظام”.
أبرز ملامح الضغط الأمريكي الحالي:
تدمير القدرات الباليستية: إنهاء أي تهديد صاروخي يطال إسرائيل.
قطع “أذرع المقاومة”: إنهاء النفوذ الإيراني في العراق، سوريا، لبنان، واليمن.
تغيير السلوك أو النظام: دعم الاحتجاجات الداخلية التي بلغت ذروتها في 8 يناير، مع تهديدات بمحو أهداف حيوية.
”لقد حان وقت البحث عن قيادة جديدة في إيران”
— من تصريحات الرئيس ترامب الأخيرة
”البديل البراجماتي”.. لماذا هذا المثلث الآن؟
في ظل هذا الاحتقان، تجد الأطراف الثلاثة في هذا التحالف ملاذاً بعيداً عن تقلبات السياسة الغربية:
لأبوظبي: تمثل الهند سوقاً استهلاكياً ضخماً وعمقاً أمنياً يقلل الاعتماد الكلي على المظلة الأمريكية.
لتل أبيب: الهند هي “الشرعية الآسيوية” والبوابة لكسر العزلة، حيث تستوعب 42% من صادراتها الدفاعية.
لنيودلهي: يمنحها المثلث دور “شرطي المرور” في بحر العرب، والقدرة على مراقبة النشاط الإيراني والباكستاني عن كثب.
توازنات قلقة: هل تندلع المواجهة؟
يضع التصعيد الأمريكي الأخير هذا المحور في اختبار حقيقي. الهند، التي تسعى للحفاظ على تدفقات الطاقة (بما فيها صفقة الغاز المسال مع الإمارات بـ 3 مليارات دولار)، تجد نفسها مجبرة على موازنة علاقاتها التاريخية مع طهران مقابل مصالحها الوجودية في هذا المثلث الناشئ.
إن مثلث “نيودلهي – تل أبيب – أبوظبي” في عام 2026 ليس مجرد تحالف عسكري، بل هو “شبكة أمان” جيوسياسية. ومع تزايد الحشود الأمريكية وتوعد واشنطن بـ “رد ساحق”، يبدو أن هذا المثلث سيكون المستفيد الأكبر من إعادة رسم خارطة القوة؛ حيث تُدفن الأيديولوجيا تحت رمال البراجماتية، وتصبح الممرات التجارية هي الحدود الجديدة للدول.



