منوعات

مرساة على شفا الغياب

هل يكون وهم عصرنا الأعظم أننا نحسب الزمن لا متناهيا، والعمر ديناً مؤجل السداد؟

رهنّا الحاضر بمستقبل موعود، وبعنا اللحظة الخالصة بثمن بخس: “سأهاجر وأعود غداً”. حتى إذا بلغت الخزائن منتهاها، واصطفت الأصفار كجنود مهيبة، وقفنا أمام رفوف الوجود فإذا بها مقفرة مما جئنا نطلبه: دفء كفّ، وارتعاشة حضن انتهت، وعافية جسد غابت، وساعة سرقتها الغربة.

خرجت من بيت متوسط الحال، محافظ الأصل، رفيع العلم. هجرت الموطن لا طمعاً في مجد، بل لأوسع لأهلي لقمة عيش، وأخفف عن أمي وطأة الدواء. أحرقت زهرة شبابي على مذبح الغياب، وعددت الأعياد على أنامل الوحشة، وتركت دفء المائدة وضحكة أبي تسقط مني ورقة بعد ورقة. جمعت النجاحات ذرة ذرة، حتى قرنتني الألسن بالملايير، وإن لي في لفظ “عملة عالم ثالث” تحفظاً، فالرقم متى جاوز الإنسان صار قبراً.

ورجعت مبشّرة، أحمل النجاح كقنديل. فوجدت أمي على عتبة الرحيل، ووجدت أبي قد دبّ فيه الوهن حتى صار وقوفه منّة من الزمن. هناك، في تلك اللحظة القاسية، أدركت ما تعجز عنه المجلدات: المال يبتاع الدواء ولا يبتاع الشفاء، يشتري السرير الأنيق ولا يشتري الكرى، يشتري كل شيء إلا الزمن الذي مضى، وإلا الباب الذي أغلقه التأخر.

وحكمة البحر تقول: ليس الحاذق من أثقل سفينته باللجين، إنما الحاذق من ألقى مرساته قبل أن يبتلعه اللج. فالرزق الأوفى لم يكن في الأفق البعيد، بل على الرصيف يلوّح بكف واهنة، ينتظر عودة لم تُحسب في دفاتر الربح.

فإياك أن تؤجل الحضور إلى المجهول المسمى “بعد ذلك أعود إلى بلدي”. فالغد سخيّ مع الأرقام، شحيح مع الأنفاس. والغنى ليس رقماً يُحصى، بل باب مفتوح يتلقاك، وعتبة واقف عليها من تحب، لا رسالة اعتذار باردة في هاتف غبي موحش.

اربح، نعم اربح. غير أن الربح ألا تخسر في مسيرك المكسب الذي لا يُستدرك. فالبيت الخالي من الأحبة، والزمن المثقل بالمرض، فاقة مدقعة ولو امتلأت الخزائن وشاحاً من الذهب.

الوطن ليس إحداثيات على خريطة، الوطن حضن. والثراء ليس حصيلة حساب، الثراء ومضة لحظة.

فأخبرني: أي مرساة ما زلت تؤخر إلقاءها، وخشيتك أن يبتلعها الموج؟

د. ليلى الهمامي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى