أخبار دولية

موقف الصين من تصنيف الولايات المتحدة الأمريكية جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية داخل السودان

تحليل الدكتورة/ نادية حلمى

موقف الصين من تصنيف الولايات المتحدة الأمريكية جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية داخل السودان: هل يغير تصنيف الولايات المتحدة الأمريكية جماعة الإخوان المسلمين إرهابية داخل السودان لمسار الحرب الإيرانية من وجهة نظر الصين؟ ورؤية الصين لعلاقته بربط واشنطن بين جماعة الإخوان المسلمين وإيران وتوقيت التصنيف فى إطار الحرب ضد إيران وميليشياتها المسلحة فى المنطقة

لم تعلن الصين رسمياً عن موقف مفصل بشأن تصنيف الولايات المتحدة الأمريكية لجماعة الإخوان المسلمين فى السودان كمنظمة إرهابية، ولكن تنظر إليها الدوائر الإستخباراتية الصينية بعين الريبة كأداة ضغط أمريكية لزيادة النفوذ، مع التركيز الصينى على إستقرار السودان وحماية مصالحها الإقتصادية هناك، متوجسة من توقيت التصنيف المرتبط بـ “الحرب ضد الميليشيات الإيرانية” الذي قد يزيد من عدم الإستقرار فى المنطقة. خاصة بعد إعلان الولايات المتحدة الأمريكية فى ٩ مارس ٢٠٢٦ تصنيف “جماعة الإخوان المسلمين في السودان” ككيان إرهابي عالمى مصنف بشكل خاص، مع إعتزامها إدراجها رسمياً كمنظمة إرهابية أجنبية إعتباراً من ١٦ مارس ٢٠٢٦. يهدف هذا القرار إلى حرمان الجماعة من الموارد المالية وتجميد أصولها، مما يلقي بظلاله على مسار الحرب السودانية وعلاقات الجيش بالقوى الإسلامية. أما عن (تأثير التصنيف الأمريكي على مسار الحرب في السودان)، فيُتوقع أن يؤدي هذا القرار إلى تغييرات جوهرية في المشهد الميداني والسياسى، من خلال: (الضغط على الجيش السودانى): يضع التصنيف قيادة القوات المسلحة السودانية أمام ضغوط دولية مكثفة لفك الارتباط مع الكتائب الإسلامية (مثل لواء البراء بن مالك) التي تقاتل إلى جانبه، لتجنب التعرض لعقوبات أوسع أو العزلة الدولية. مع (تجفيف المنابع المالية): حيث يتيح القرار للولايات المتحدة تجميد الأصول وحظر التعاملات المالية مع الجماعة، مما قد يضعف قدرتها على تمويل عملياتها العسكرية وشراء الأسلحة. فضلاً عن (التغيير في موازين القوى السياسية): يمنح القرار قوة دفع للأطراف المدنية وقوات الدعم السريع التي رحبت بالخطوة، معتبرة إياها “إدراكاً دولياً لمعاناة السودانيين”، بينما طالبت الخارجية السودانية (التابعة للجيش) بتصنيف “الدعم السريع” أيضاً كمنظمة إرهابية. مع وجود (إتهامات بالتدخل الإيرانى): فقد ربطت الخارجية الأمريكية في بيانها بين الجماعة والحرس الثوري الإيراني، مما قد يحول الحرب في السودان إلى ساحة صراع إقليمي ودولي أوسع بين المحاور المتنافسة.

أما عن الموقف المتوقع للصين من تصنيف جماعة الإخوان كإرهابية فى الداخل السودانى، وتأثيره على مسار الحرب، فيتمثل فى: الحياد والمبدئية من قبل بكين، وهنا تتبنى الصين سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وستتعامل مع هذا التصنيف كشأن أمريكي-سوداني داخلي، مفضلة الحلول السياسية والتفاوضية لإنهاء الصراع. مع الشكوك الصينية فى الوقت ذاته من الأهداف الأمريكية، حيث تنظر بكين إلى التصنيفات الأمريكية للإرهاب غالباً على أنها وسيلة لفرض أجندات سياسية وتدخل عسكري، مما قد يؤدي إلى تفاقم النزاع في السودان بدلاً من حله. مع الرؤية الصينية بأن هذا التصنيف لن يغير مسار الحرب بشكل دراماتيكي، لأن المشكلة السودانية تتعدى الإخوان، ولكنها قد تصعب من فرص الحل السلمى بين القوى المتصارعة هناك.

وهنا تبرز رؤية الصين للربط بين تصنيف الولايات المتحدة الأمريكية لجماعة الإخوان السودانية كإرهابية داخل السودان، وعلاقته بالحرب الأمريكية الراهنة ضد إيران وتوقيت التصنيف، من خلال: (الدعوة الصينية للتهدئة لا التصعيد): حيث تعتبر الصين إيران شريكاً استراتيجياً، وترى أن تصعيد واشنطن ضد إيران وميليشياتها في المنطقة يعيق مصالحها الاقتصادية (مبادرة الحزام والطريق الصينية)، وستسعى للتهدئة بدلاً من تأجيج الصراع. مع التحليل الإستخباراتى الصينى لهذا (التوقيت المشبوه): حيث تقرأ الدوائر المعنية فى بكين لتوقيت التصنيف لجماعة الإخوان السودانية كإرهابية، في إطار إستراتيجية أمريكية أوسع لإحتواء النفوذ الصيني والإيرانى فى أفريقيا والشرق الأوسط، وليس كخطوة مستقلة لمكافحة الإرهاب. مع التركيز الصينى على عنصر الإستقرار، حيث تفضل بكين وجود سلطة مستقرة (حتى لو كانت إسلامية) على وجود فوضى شاملة تهدد إستثماراتها ووجود مواطنيها، مما يجعلها متشككة في نجاعة التصنيفات التي تهدف لزعزعة إستقرار أطراف بعينها. وفى المحصلة، ستستمر الصين في دعوتها للحوار وضبط النفس، معارضة أى تدخل عسكري غربي وأمريكى، ومحاولة المحافظة على علاقات متوازنة مع كافة الأطراف السودانية.

مع الوضع فى الإعتبار، بأن تصنيف الولايات المتحدة لجماعة الإخوان في السودان كمنظمة إرهابية فى مارس ٢٠٢٦، يمثل نقطة تحول في الضغوط الدولية، أما الموقف الصيني فيتحرك في مسار مختلف تماماً. فمن المتوقع أن يغير التصنيف الأمريكي مسار الحرب، من عدة جوانب استراتيجية، منها: (إحراج القيادة العسكرية السودانية): حيث يضع التصنيف الأمريكى لجماعة الإخوان السودانية كإرهابية الجيش السوداني في موقف معقد، حيث يقاتل الإسلاميون، مثل (كتيبة البراء بن مالك وغيرها) فى صفوفه. وإستمرار هذا التحالف قد يعرض قادة الجيش لعقوبات “ثانوية” بتهمة التعامل مع كيان إرهابي. مع (قطع الإمدادات): فهذا التصنيف لإخوان السودان كمنظمة إرهابية، يمنح واشنطن سلطة قانونية لملاحقة شبكات التمويل والشركات التابعة للجماعة دولياً، مما قد يضعف القدرة المالية للجناح العسكري المرتبط بها. فضلاً عن تأثير هذا التصنيف على (الشرعية السياسية): حيث يعزز القرار الأمريكى موقف القوى المدنية (تقدم) وقوات الدعم السريع في المحافل الدولية، ويصور الحرب على أنها صراع ضد “تطرف أيديولوجي” وليس مجرد نزاع عسكري، مما قد يمهد لتدخلات دولية أوسع. مع إعطاء (بعد إقليمى أوسع لهذا التصنيف)، حيث أن ربط واشنطن بين جماعة الإخوان المسلمين وإيران، يجعل من الحرب السودانية جزءاً من “الأمن القومى العالمى”، مما قد يقلص من قدرة الأطراف الإقليمية الداعمة للجيش على الاستمرار في دعمها العلني إذا استمر نفوذ الإخوان.

أما عن موقف الصين من هذا التصنيف، فالصين تتبنى دائماً “البراغماتية السياسية”، وموقفها يتلخص في: (رفض “الأحادية”): الصين تقليدياً لا تعترف بقوائم الإرهاب التي تصدرها واشنطن بشكل منفرد، وتعتبرها أدوات ضغط سياسي. هي تعترف فقط بالقوائم الصادرة عن مجلس الأمن الدولي. مع (إعطاء الصين لمبدأ أولوية “الدولة” على “الأيديولوجيا”): الصين تتعامل مع من يسيطر على مؤسسات الدولة (الجيش حالياً). بالنسبة لبكين، استقرار السودان وحماية استثماراتها في النفط والموانئ أهم من هوية الفصيل السياسي المشارك في الحكم. كما تنظر بكين للتصنيف الأمريكي كـ “تدخل في الشؤون الداخلية”، ولن تغير من وتيرة تعاونها العسكري أو الاقتصادي مع الحكومة السودانية طالما ظلت الجماعة جزءاً من الهيكل الرسمي أو شبه الرسمي للدولة. كما أنه فى إطار (المنافسة مع واشنطن): قد ترى الصين في الضغط الأمريكي فرصة لتعميق علاقتها مع بورتسودان (مقر الحكومة المؤقتة)، مقدمةً نفسها كـ “شريك لا يضع شروطاً سياسية” أو تدخلات في التوجهات الفكرية. ومن هنا نفهم بأن، بينما تستخدم واشنطن التصنيف كـ “مشرط” لعزل التيار الإسلامي عن الجيش وتغيير معادلة الحرب، تلتزم الصين بـ “مظلة” التعامل مع الأمر الواقع لضمان مصالحها، مما قد يخلق إستقطاباً دولياً جديداً داخل الأزمة السودانية. ويبقى السؤال الملح لدى مراكز الفكر والإستخبارات الصينية، هو: هل يمكن أن يضحى الجيش السودانى بتحالفه مع المجموعات الإسلامية مقابل تجنب العقوبات الأمريكية؟

أما عن موقف الصين من جماعة الإخوان في السودان، فتتسم السياسة الصينية تجاه السودان بالثوابت التالية: (مبدأ عدم التدخل): تلتزم الصين بمبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية” للدول، وهي لا تصنف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، بل تتعامل معها كجزء من المكونات السياسية أو التاريخية طالما لم تهدد مصالحها المباشرة. مع إعطاء الصين للأولوية فى الإستقرار والإستثمارات، حيث تهتم الصين بالحفاظ على استقرار السودان لضمان استثماراتها في قطاع النفط والبنية التحتية، وتميل إلى التعامل مع “الدولة السودانية” ومؤسساتها الرسمية بغض النظر عن الأيديولوجيا الحاكمة. كما تتنوع العلاقات الدفاعية للصين مع الجيش السودانى، فقد وقعت الصين مع الجيش السوداني اتفاقات تعاون إستراتيجى ودفاعي (آخرها في سبتمبر ٢٠٢٤)، مما يشير إلى أنها تعطي الأولوية لشرعية المؤسسة العسكرية الحالية، حتى مع وجود نفوذ إسلامي بداخلها، طالما أن ذلك يضمن إستمرار المصالح المشتركة. مع إتباع الصين لسياسة (التوازن الدبلوماسى)، حيث تتجنب بكين الإنخراط في “قوائم الإرهاب” الغربية والأمريكية، وتفضل الدعوة إلى حلول سياسية شاملة تضم كافة الأطراف السودانية لإنهاء النزاع.

مع الوضع فى الإعتبار، بأن تبني الولايات المتحدة لتصنيف “جماعة الإخوان المسلمين في السودان” ككيان إرهابي في مارس ٢٠٢٦، لا ينفصل عن إستراتيجيتها الكلية لتحجيم النفوذ الإيرانى فى المنطقة. ويمكن هنا تقديم تحليل مفصل يربط بين (التوقيت، المحور الإيرانى، والموقف الصينى)، من خلال: (فهم وتحليل “خيط الوصل” بين الإخوان وإيران في السودان)، فواشنطن لم تعد تنظر للإخوان فى السودان كفصيل سياسي محلى، بل كـ “جسر لوجستى” لطهران، من حيث الدعم بالمسيرات والسلاح، فقد ربطت تقارير إستخباراتية أمريكية بين نفوذ العناصر الإسلامية داخل الجيش السودانى وتسهيل وصول الطائرات المسيرة الإيرانية (مثل مهاجر-٦) والخبراء العسكريين إلى بورتسودان. مع خشية واشنطن من أن يؤدى تحالف “الإخوان-الجيش-إيران” إلى منح طهران موطئ قدم على البحر الأحمر مما يشكل (تهديداً بحرياً) لواشنطن، مما يكمل حلقة الحصار البحري التي بدأتها جماعة الحوثي في اليمن. مع التخوف الأمريكى من (وحدة الساحات)، بمعنى أن التصنيف الأمريكى لجماعة الإخوان كإرهابية، يهدف لقطع الطريق أمام انخراط مجموعات سودانية فى محور “المقاومة” الذي تقوده إيران، ومنع تحول السودان إلى قاعدة خلفية لتهريب السلاح.

وهنا يمكننا تحليل العلاقة بين تصنيف الولايات المتحدة الأمريكية جماعة الإخوان كإرهابية داخل السودان وبين توقيت التصنيف فى إطار الحرب الإقليمية الأمريكية الكبرى على إيران والدعم الصينى لإيران، حيث جاء توقيت إختيار الولايات المتحدة الأمريكية فى مارس ٢٠٢٦، لتصنيف جماعة الإخوان داخل السودان كجماعة إرهابية، وذلك فى ظل ذروة تصعيد أمريكي-إسرائيلي ضد “أذرع إيران”، الأمر الذى يعمل على تضييق الخناق على حلفاء إيران فى كل مكان، فبعد توجيه ضربات مكثفة أمريكية ضد ميليشيات أخرى فى (العراق وسوريا ولبنان)، يأتي تصنيف إخوان السودان كمنظمة إرهابية، لسد “الثغرة الأفريقية” فى منظومة حلفاء إيران. كما تهدف واشنطن لإرسال رسالة للجيش السودانى، فالتوقيت يضع قيادة الجيش أمام خيار صفرى: “إما الشراكة مع المجتمع الدولي أو الغرق مع المحور الإيرانى المصنف إرهابياً”. كما أن إختيار هذا التوقيت يعكس رغبة الإدارة الأمريكية فى إظهار الحزم تجاه “الإسلام السياسى المتطرف” المرتبط بطهران لتعزيز موقفها السياسى داخلياً وخارجياً.

فى الوقت الذى ينحصر فيه موقف الصين فى إطار “البراغماتية ضد الأيديولوجيا”، فبينما تستخدم واشنطن “مشرط الإرهاب” لفرز الحلفاء، تتحرك الصين بمبدأ “التاجر والمستقر”: مع رفض الصين للربط الأمنى بين إخوان السودان وإيران، فالصين لا ترى في العلاقة بين السودان وإيران تهديداً مباشراً لها، بل تعتبرها علاقات سيادية. لذا، لن تلتزم بالتصنيف الأمريكي ولن تغير تعاملها مع المسؤولين السودانيين المنتمين للإخوان. مع قلق الصين وتخوفها من زعزعة إستقرار البحر الأحمر ورغبتها فى (تأمين الممرات البحرية)، لكنها تفضل الحلول الدبلوماسية مع طهران والخرطوم بدلاً من سياسة العقوبات التى تراها “وقوداً لإطالة أمد الحرب”. وهنا قد تستغل الصين هذا التصنيف لتعبئة الفراغ، مع سعى الصين لتقديم نفسها للجيش السودانى كبديل “أكثر موثوقية” لا يتدخل في هوية من يقاتل معه، مما قد يعمق التعاون العسكرى بين بكين وبورتسودان (كما ظهر في إتفاقيات سبتمبر ٢٠٢٤).

ويبقى السؤال الملح لدى الدوائر الصينية، هل يغير تصنيف إخوان السودان كإرهابية لدى واشنطن مسار الحرب، وهو ما يمكن الإجابة عليه بنعم، فالتصنيف سيحول الحرب من “نزاع محلى على السلطة” إلى “جبهة فى حرب عالمية ضد نفوذ إيران”. ميدانياً، قد يضعف هذا التمويل العابر للحدود للجماعات الإسلامية، لكنه سياسياً قد يدفع الجيش السوداني للإرتماء أكثر في أحضان المحور (الصينى-الروسى-الإيرانى) هرباً من الضغوط الغربية. مع وجود سيناريوهات محتملة لمبادرة الصين بتقديم دعم عسكرى أكبر للجيش السوداني لتعويض النقص الذى قد تسببه العقوبات الأمريكية على حلفائه الإسلاميين؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى