نهضة مؤجلة بسبب الفساد

رشيد الشمري
ليس السؤال اليوم: هل العراق بلد غني؟
بل السؤال الأكثر إلحاحاً ووجعاً: لماذا دولة بهذا الحجم من الثروات ما زالت تبحث عن أبسط مقومات الاستقرار والعدالة والتنمية؟
في العراق، تتكرر الوعود، وتتبدل الحكومات، ويبقى المواطن عالقاً بين خطاب إصلاح كبير وواقع لا يتغير بالسرعة المطلوبة؛ فسادٌ يرهق مؤسسات الدولة، وضعف في الإدارة، واقتصاد ما زال يعتمد على مورد واحد، وكأن الفرص تُهدر أكثر مما تُستثمر.
لكن حين نعود إلى تجارب الدول التي نهضت، نجد أن الطريق لم يكن مستحيلاً، بل واضحاً وصارماً… كما حدث في ماليزيا.
في عام 1980، لم تكن ماليزيا من الدول التي يشار إليها بالبنان، بل كانت تعاني من مشكلات اقتصادية وسوء إدارة، وكان الفساد تحدياً حقيقياً يعرقل التنمية. عندها ظهر دور مهاتير محمد، الذي قدّم مقاربة مختلفة في قيادة البلاد؛ فلم يبدأ ببناء الأبراج ولا الطرق السريعة، بل بدأ بسؤال بسيط لكنه حاسم: كيف نطلب من المواطن والموظف أن يكون نزيهاً إذا كان المسؤول فاسداً؟
ومن هنا، انطلق الإصلاح من أعلى الهرم إلى أسفله، فشُدِّدت الرقابة على المال العام، ورُبط التدقيق بالكفاءة، وعُزّزت هيبة القانون، وارتفعت رسالة واضحة: لا أحد فوق مصلحة الدولة ولا فوق العدالة الاجتماعية.
ومع مرور السنوات، لم تتغير المباني فقط، بل تغيّرت ثقافة الدولة نفسها؛ ثقافة العمل، والانضباط، والإدارة، حتى أصبحت ماليزيا نموذجاً يُدرَّس في التحول والتنمية.
وهنا تتضح الحقيقة:
الفساد اليوم ليس مجرد رشوة أو اختلاس، بل قد يكون حين يصل غير المؤهل إلى موقع لا يستحقه، أو حين تُدار المؤسسات بالعلاقات لا بالكفاءات، أو حين تُقدَّم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة.
إن محاربة الفساد لا تبدأ من السجون، بل من بناء منظومة تجعل الفساد صعباً والنزاهة سهلة.
والدول التي نجحت ليست ملائكة ولم تخلُ من الفاسدين، لكنها امتلكت ثلاث ركائز:
قيادة جادة، قانون عادل، ومجتمع يرفض تبرير الفساد.
ولعل الدرس الأهم هو أن الفساد لا يُهزم بالخطب الرنانة، بل حين يدرك كل مسؤول أن المنصبَ تكليف لا تشريف، وأن المال العام أمانة لا غنيمة.
فالدول لا تنهض بكثرة الحديث عن النزاهة، بل حين تتحول النزاهة إلى أسلوب حياة، فهل يمتلك رئيس الوزراء علي الزيدي اليوم القدرة والإرادة لقيادة إصلاح حقيقي يضع العراق على طريق النهضة، ويحوّل ثرواته من فرصة مهدورة إلى مشروع تنمية كما فعلت ماليزيا؟



