أسماك الزينة لاتقاوم أمواج البحر

هادي جلو مرعي
أستطيع أن أصف المواطن البسيط، والمثقف المتنور بهذا الوصف في مواجهة الحياة والفساد، وتغول البعض، بل ربما تغول الكثير من الذين وجدوا أنفسهم في مساحة متسعة ليحققوا مكاسبهم الخاصة، ويتنمروا على المجتمع عندما تهيأت لهم سبل الحصول على الأموال والمناصب، وفتحت لهم أبواب مغلقة لم يكونوا يحلموا يوما أن تفتح أمامهم حتى بان لون الصدأ على أقفالها، وتحجرت بفعل الزمن، وفقدان الأمل، لكن شيئا ما تفجر فجأة، وأتاح كل تلك المساحة لطغيان مختلف، وفساد ضارب، وتخبط أعمى على قاعدة (وكنا نخوض مع الخائضين) ونبحث عن المال والجاه والسلطان بكل ماأتيح من طرق.. ويذكرني ذلك بمايردده الراحل حمدي غيث الذي مثل دور أبي سفيان في فيلم الرسالة في إحدى روائعة، إذا غضب الله على قوم رزقهم من الحرام، وإذا إشتد غضبه بارك لهم فيه !!
أسماك الزينة لاتقاوم أمواج البحر، لكنها يمكن أن تعيش في بيئتها الخاصة, وتحتمي بها بعيدا عن تلك الأمواج والحيتان وأسماك القرش وتقلبات البحر المفاجئة، وإذا كانت اسماك الزينة تصلح لتكون في ضعفها مثالا نسوقه لنصف حال المستضعفين في مواجهة الطغاة.. والفقراء في مواجهة أصحاب الأموال والمناصب والمتحكمين في شؤون العامة، فذلك ينسحب على العلاقات الدولية، وعبر تاريخ البشرية تنهص أمم، وتنهار أخرى حتى إذا إستوى الأمر لأمة، وغلبت بقية الأمم، وحكمت الأرض صارت تتصرف على هواها، وتنشر ثقافتها وتقاليدها في البلدان المستعمرة والضعيفة، وتجمع حولها من يحالفها، وتفسد وتنهب وتلعب، وتبدو تلك الأمم وتلك الشعوب مثل اسماك الزينة التي تلطمها الأمواج، وتهشم عظامها الرقيقة، وتبعثر ألوانها الزاهية، وتحيلها الى هباء.
العالم اليوم بأسره يبدو مثل تلك الأسماك، وتبدو الولايات المتحدة كبحر متلاطم تتحكمه الحيتان وأسماك القرش الشرسة، بينما أمواجه تضرب يمنة ويسرة، وهي تقرر شكل العالم، وإتجاه الحياة، والى أين تمضي الأمور، وكأنها سنة الحياة في صراع الغالب والمغلوب، والمنتصر الذي يفرض شروطه على المهزوم الذي لايجد بدا من الإستسلام، وإذا ماقرر أن يقاوم ويكافح فإنه يتهشم تماما، ولايبقى منه شيء أبدا،، ولاوجود له يمكن أن يرى فيه. لكن يتبقى على الحكماء وأهل الحل والعقد وحكام البلدان الأقل نفوذا وقوة أن يتنبهوا الى معاناة شعوبهم، وأن لايذهبوا بعيدا في أحلامهم فقد تنهار عروشهم الخاوية، ويسقطون في الهاوية، ولايجدون مهربا، ويكونوا عرضة للمهانة والإذلال، ولاينفعهم التراجع، ولا التنازل، وحينها يقرر الأقوى مصائرهم، ومصائر دولهم وشعوبهم، كما إنه لايكفي أن تكون على حق حين تواجه الباطل، فالحق يحتاج القوة والشجاعة وأدوات النصر وإلا كان التصدي مهلكة وضياعا وخرابا. ولعل الأمثلة كثيرة في الماضي والحاضر حين إنهارت أمم بفعل الأخطاء والغباوات وحمافات الحكام الذين وللأسف يجدون من يتشبث بهم، ويدافع عنهم، ويبرر لهم الخطايا..
الأيام المقبلة كفيلة بكشف ما كنا نظنه خافيا، والحقيقة إنه لم يكن كذلك، بل إن عقولنا هي من كانت خافية ومتحجرة، فلم نر النهايات الواضحة بفعل الإنحراف عن الحق، ومحاباة الباطل، ونسيان حاجات ومعاناة الشعوب..



