مقالات

السحر والشعوذة من مهددات الأمن المجتمعي المسكوت عنها في القانون العراقي

.

بقلم: إنعام العطيوي

يُعد الأمن المجتمعي الركيزة الأساسية لاستقرار الدول، وهو لا يقتصر فقط على الحماية من الجرائم المادية التقليدية، وانما يمتد ليشمل حماية عقول وأرواح وأموال المواطنين من العبث والدجل والشعوذة والايهام، وتبرز ظاهرة السحر والشعوذة اليوم كواحدة من أخطر الآفات التي تنخر في جسد المجتمعات المتخلفة والمبتعدة عن الإيمان بالله واليقين بقضاء الله وقدره ويقع العراقي واحد من الدول النامية العرضة لمهددات السحر والشعوذة بسبب التدفقات الثقافية الالكترونية والثقافات الوافدة على ارض الواقع من بيئات مغايرة مفسخة للمجتمع ومهددة لامنهِ المجتمعي.
وهذه الظاهرة تجاوزت كونها مجرد خرافة لتصبح أداة للجريمة المنظمة والابتزاز وتفكيك الأسر، ورغم ورودها في القرآن الكريم والتحذير منها وتجريم ممارسيها في الشريعة الإسلامية الا ان النصوص القانونية باتت لا توجد تشريعات قانونية صريحة تجرم السحر والشعوذة نسبتاً لعدم إمكانية اثباتهِ بالأدلة كونهُ يعتمد على الوهم والغيبيات لكن التكييف القانوني وضعهُ بمثابة جريمة تحت غطاء التدليس فجاء في المُشرّع العراقي من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 انهُ لم يضع نصاً خاصاً تحت مسمى (جريمة السحر) إلا أن القضاء العراقي وبحكمة بالغة استطاع محاصرة هذه الأفعال عبر مواد النصب والاحتيال (المادة 456).
إذ آن القانون ينظر إلى الساحر أو المشعوذ بكونه (محتالاً) ويستخدم وسائل تدليسية مثل أعمال سحرية وتمويه وإلايهام للسيطرة على إرادة الضحيا وسلب أموالهم وممتلكاتهم وتعجيز قدراتهم وترغيبهم بتنفيذ احتياجاتهم.
اما من جانبٍ اخر فأن استخدام هذه الأفعال لغرض تهديد حياة الآخرين يقع تحت طائلة مواد التهديد (للمادتين 430 و431) والتي قد تصل عقوباتها إلى الحبس لعدة سنوات، ولكن ممارسة هذه الظاهرة تضاعفت خطورتها وتعاظم جرمها عندما تنتقل إلى أروقة المؤسسات الرسمية والحكومية والجامعات والكليات والمرافق العامة، فإن قيام موظف حكومي بممارسة أعمال السحر داخل دائرته هو انتهاك صارخ لمبادئ الوظيفة العامة فمن الناحية الإدارية يُعد هذا السلوك إخلالاً بواجبات الوظيفة ومخالفاً لقانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام يستوجب عليه عدة عقوبات رادعة قد تصل إلى التحقيق والتوبيخ او العزل النهائي حسب نوع الضرر المترتب من الممارسة كونه يمس بسمعة الدولة وهيبتها وبسمعة المؤسسة العامل فيها الشخص لان هذا الفعل لا يمت بصلة ودور المؤسسة الرسمية في العمل الاكاديمي والاخلاقي والعلمي الواعي.
اما من الناحية الجنائية فقد يتعرض ممارس هذه الظاهرة إلى الملاحقة القانونية بتهمة استغلال المقر الرسمي للقيام بأفعال غير قانونية تسبب الرعب والفتنة بين الموظفين والمراجعين ذلك لان هذه الممارسات تتسبب بتهديد  التماسك الاجتماعي سواء للأسرة او في السلك الوظيفي بأثارة النزاعات والأزمات بين العاملين والمراجعين فهو يعمل على نشر عدة ومهددات منها
١) تفكيك الروابط الأسرية وذلك باستخدام أعمال السحر للتفريق بين الزوجين أو السيطرة على أموال أحدهما.
٢) الصراعات الوظيفية عبر لجوء البعض لوضع طلاسم في مكاتب زملائهم او رش او ذر مواد في اطعمتهم او أماكن عملهم بقصد الإرهاب النفسي أو السعي لنيل مناصب بطرق غير مشروعة.
٣) الابتزاز المالي حيث يبدأ المشعوذ بوعود كاذبة وينتهي بابتزاز للضحية بمبالغ طائلة تحت التهديد بإيذائهم أو إفشاء أسرارهم او ايهامهم بحلول اللعنة عليهم في حال عدم تنفيذ رغباته.

وفي ظل التطور التكنولوجي أصبح التصوير الفيديو والصور الفوتو وتسجيلات الصوت دليلاً مادياً في مثل هذه القضايا ولا سيما في المؤسسات الرسمية لما لها ميزة امنية بالحفاظ عليها عبر توفير كاميرات مراقبة وإن توثيق المشعوذ وهو يمارس طقوسه هو بمثابة إثبات للركن المادي للجريمة مما يسهم في كسر إنكاره ويسهل عملية الإدانة أمام قاضي التحقيق.
ومع ذلك فلا بد أن يكون للثقافة الامنية حضور لتحقيق وعي قانوني مجتمعي عبر مكافحة هذه الظاهرة والتي تتطلب تكاتفاً بين سلطة القانون والوعي المجتمعي، وإن الصمت عن هذه الأفعال خاصة داخل المؤسسات يمنح الجناة حصانة غير مستحقة لذا فإن الإبلاغ الرسمي وتوثيق الأدلة الرقمية هو المسار الوحيد لترسيخ منطق الدولة والمؤسسات فوق منطق الدجل والزيف، ورغم لا وجود لنصوص تشريعية واضحة الا ان القانون العراقي بإجراءاته الحالية يمتلك الأدوات الكافية لردع كل من تسول له نفسه العبث بحياة الناس واستغلال حاجتهم ومخاوفهم تحت أي مسمى كان، لهذا تبقى عملية التوعية للتبليغ عن هذه الإجراءات وتوثيق الأدلة عملية تثقيف مجتمعية بحاجة إلى وضعها على طاولة الحور وعدم السكوت عنها.

التوصيات : لا بد من الخروج بتوصيات لدراستنا لهذا الموضوع وذلك
أ. ضرورة السعي لإيجاد تشريعات قانونية مدروسة تحرم وتجرم هذه الأفعال وتحد من انتشارها المجاني في السوشل ميديا وممارستها على ارض الواقع.
ب. تدريب وتوعية وتثقيف بحرمة وتجريم هذه الأفعال كون آن السحر والشعوذة مهددان حقيقيان للأمن النفسي والمجتمعي.
ت. فرض عقوبات إدارية وقانونية في المؤسسات الرسمية لمرتكبي هذه الأفعال داخل المؤسسات الرسمية للحد من انتشارها وممارستها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى