مقالات

إنه طغى


هادي جلو مرعي


     مقالات الكاتب غير خاضعة للذكاء الإصطناعي.


    واحد من أسوأ عيوب البشرية إنهم لايتفقون على تصنيف حقيقي للطغاة، وهم الحكام الذين يتجاوزون الحدود في ظلمهم وجبروتهم، وتعديهم على الناس سجنا وقتلا وتهجيرا وتنكيلا وتجويعا وإذلالا وإغتصابا،وفعل كل قبيح يرونه لذة، أو تكريسا لسلطانهم الذي لابد أن يزول في لحظة فارقة..والناس للأسف هم أسوأ من الطغاة.. فما رأيت طاغية إلا وقد مال إليه قوم فبجلوه، وعظموه، وإنتفعوا منه، وإرتبطوا به بعقيدة، أو فكر، أو دين، أو طمعا في مغنم من مغانم الدنيا الفانية، في حين يذمه من إكتوى بنار جبروته، والناس هنا صنفان : صنف يمجد الطاغية، لايذكر منه إلا الخير، وآخر يذمه، ولايرى منه إلا الشر..وينزاح الناس الى الظالم كما في قوله تعالى في سورة الزخرف (فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُواْ قوما فاسقين) أي إنه إستخف بعقولهم، وأخذهم معه الى الكفر والعصيان والتمرد على الله، وصاروا لايرون إلا مايراه هو..
    عند الله سبحانه فإن الطغيان يعجل بصاحبه الى الهلاك، لا كما الكفر بالله، والشرك به. فهذا إعتقاد وضلال يمد الله لصاحبه لعله يعود عنه، أو يستمر فيه، فتلقى عليه الحجة، أما الطغيان فإذاه يتجه الى من لايتحمله وهم البشر المستضعفون الذين تصبوا أعينهم الى السماء منتظرين التدخل الإلهي لإنقاذهم، وعادة ماكنا نرى كل طاغية في نهاية مخزية كما هو حال الفرعون في مصر الذي أغرقه الله، وأنجى بدنه ليكون آية للناس، والنمرود في العراق الذي عذبه وجيوشه بنوع من الحشرات كان يدخل في آذانهم وأنوفهم، ويقضي عليهم! وعندما أمر الله موسى أن يذهب الى فرعون لم يأمره بدعوته الى التوحيد وحسب، بل الى ترك الطغيان، والتعدي على الناس، وتحقيرهم، مع إنه دعاه الى الإيمان بوحدانية الله التي هي العدل والإحسان الى العباد، ثم الكف عن الظلم خاصة على بني إسرائيل.
    وهنا لابد من الحديث عن طغيان مخيف وغريب، وبلا حدود يتصل بطغيان بني إسرائيل في هذا الزمن، وتعديهم بأصناف التعدي على العرب، وخاصة الفلسطينيين، مع مايأتيهم من عون من الولايات المتحدة الأمريكية التي هي أسوأ إمبراطورية عبر التاريخ، حيث تهيمن على الكوكب كله، وهو مالم يحصل لإمبراطورية سابقة، وعبر التاريخ الإنساني، فالكيان الإسرائيلي يطغى الى مستويات تستدعي تدخلا من السماء بعد عجز البشرية عن وقفه، وكذا مايفعله دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة الذي صار ينظر الى البشرية ككيانات مغلوبة لاقيمة لها، ولم يستثن حتى حلفائه الغربيين الذين تركهم يتخبطون في الضياع، وسوء التدبير، ثم صار يعمد الى نهب ثروات بلدان، والتهديد بإسقاط حكومات، وإحتلال دول ذات سيادة، والتصريح برغبته في السيطرة على جزر وموانيء وممرات مائية، ولايعبأ بردات الفعل.. إنه طغى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى