حين تغيّر واشنطن لهجتها والشرق الأوسط بين التهدئة والانتظار

د. احمد الاعرجي
ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يمكن قراءته كأحداث متفرقة أو أزمات عابرة ، بل كجزء من إعادة تموضع دولي واسع تقوده الولايات المتحدة في مرحلة انتقالية حساسة من عمر النظام العالمي .
من التصعيد إلى التهدئة ، ومن لغة التهديد إلى طاولة التفاوض ، تتكشف استراتيجية عنوانها الواضح .. تأجيل الانفجار لا منعه .
بدأ المشهد بتصعيد أمريكي حاد تجاه إيران هدفه فرض ميزان قوة جديد عبر الضغط السياسي والنفسي والعسكري .
إيران في المقابل ، لم تنجر إلى مواجهة مباشرة ، بل اختارت الرد بالقوة المحسوبة ، مناورات عسكرية ، رسائل إقليمية ، وإظهار الجاهزية دون كسر الخط الأحمر .
هنا تحقق توازن الردع ، ففُتحت بوابة المفاوضات .
غير أن الانسحاب المفاجئ من المفاوضات ، ثم العودة إليها بشروط إيرانية وتغيّر واضح في لهجة واشنطن
كشف حقيقة جوهرية .. الولايات المتحدة أدركت أن كلفة التصعيد في هذه المرحلة أعلى من مكاسبه .
واشنطن اليوم ليست في موقع يسمح لها بخوض حرب جديدة في الشرق الأوسط ، لأنها منشغلة بصراع أكبر يتشكل على مستوى العالم .
عند ربط هذا المشهد الإقليمي بالتحركات الدولية تتضح الصورة أكثر .
الحديث الأمريكي المتجدد عن جزيرة غرينلاند ليس تفصيلاً هامشياً ، بل مؤشر على انتقال مركز الصراع إلى جبهات جديدة ، حيث التنافس الحقيقي مع روسيا والصين على الموارد والمواقع الاستراتيجية .
الجغرافيا عادت لتكون سلاحاً ، والشرق الأوسط تراجع في سلّم الأولويات ، دون أن يُستبعد من الحسابات .
ضمن هذا السياق يمكن فهم ما يجري في العراق وسوريا .
نقل آلاف المعتقلين المتهمين بالإرهاب من شمال شرق سوريا إلى السجون العراقية ، وبحماية التحالف الدولي ومتعدد الجنسيات ، لا يبدو إجراءً أمنياً عادياً .
إنه إعادة ترتيب لأوراق الفوضى وإبقاء المنطقة في حالة هشاشة مسيطر عليها ، لا تنفجر بالكامل لكنها تبقى جاهزة للاستخدام عند الحاجة .
التهدئة الحالية في الشرق الأوسط ليست انتصاراً للدبلوماسية ، بل إعلاناً غير مباشر عن تجميد الصراع .
حين تغيّر واشنطن لهجتها فجأة ، فهذا لا يعني اقتناعها بالسلام ، بل لأنها حوّلت تركيزها إلى ساحات أخرى ، مع إبقاء المنطقة كورقة ضغط مؤجلة .
الأخطر من الحرب هو هذا الفراغ المحسوب .
الشرق الأوسط اليوم ليس ساحة معركة مفتوحة ، بل مخزن أزمات مؤجلة ، يُعاد فتحه كلما تغيّر ميزان القوى عالمياً . ومن يعتقد أن الهدوء الحالي بداية استقرار ، فهو يقرأ المشهد بالمقلوب !!!
إنه صمت ما قبل إعادة الاستخدام بثمنٍ يُدفع دائماً من دم وجغرافيا الآخرين .



