مقالات

سر جمال بغداد


هادي جلو مرعي

     يكمن السر في جمال بغداد  إنها تأسست بعد مرور ثلاثة آلاف سنة وأكثر على نشوء حضارات آشور وأكد وأور والوركاء وأريدو، وربما حضارات أخرى طويت وإنهارت بفعل عوامل البيئة والإقتصاد والسياسة والحروب والآلام.
     بغداد هي خلطة عجيبة وجميلة من مواد تلك الحضارات. الأنهار الجارية، والعناقيد المتدلية، والحدائق المعلقة والجبال العالية والنخيل، وكم هائل من مياه الأهوار والقصب والبردي، ومن دجلة والفرات، وملايين البشر العابربن الذين نحبهم، وربما كرهناهم بفعل التاريخ والروايات والحكاوي، والقصور العالية والزروع، ومانسجته الأيادي في الحواضر والبوادي، وملاحم الحروب وصناعات البشر، وآلامهم ومعاناتهم، وكم الشقاء الذين أنهك أجسادهم وأرواحهم. والقصائد والمراثي التي نظموها والقبور التي زينوها، والشوارع التي إتسعت لهم، أوضاقت بهم، والأحلام التي صارت حضارة كاملة.
آلاف الشعراء والأطباء والحكماء والفلاسفة والرحالين والعشاق والتائهين والسائحين والناسكين والمتهتكين والزهاد والعباد والطغاة والثقاة مروا هنا، درسوا وكتبوا وألفوا وغنوا وبكوا وعشقوا، ثم طوتهم السنين، وبقيت آلاف الليالي في الذاكرة الإنسانية، ومؤلفات في الهندسة والفلك والشعر والطب والعلوم الإنسانية والمؤلفات العجيبة والحكايات الغريبة، الجميع تركوا حكاياتهم لنا، وأغانيهم وعذاباتهم وأحلامهم والكثير من قصص العشق والتجلي والضياع والتمني نسمعها من غيرنا ونرويها لغيرنا، وسواء كنا على جسر من جسور دجلة، أو على ضفتيه، أو في المقاهي المنسية والشوارع المظلمة، وفي ظل الأشجار كنا نعيشها كما هي كأننا نسجناها جميعا. أو ورثناها جميعا. ونقرأ قصائدهم عن بغداد، ونتغنى بأبيات من أشعارهم عنها سواء كانوا عابرين، أو راحلين الى البعيد، أو مقيمين فيها متعلقين بأهدابها.

قال أحدهم فيها:

مَن ذا أَصابَكِ يا بغدادُ بالعَينِ
أَلم تَكوني زماناً قُرَّةَ العَينِ

وقال نزار قباني

مدي بساطي و املئي أكوابي
و إنسي العتاب فقد نسيت عتابي
عيناكِ، يا بغدادُ ، منذُ طفولَتي
شَمسانِ نائمَتانِ في أهدابي
لا تُنكري وجهي ، فأنتَ حَبيبَتي
وورودُ مائدَتي وكأسُ شرابي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى