مقالات

بين الذاكرة والخوف… لماذا يتدافع العراقيون عند أول خبر عاجل؟

بقلم الاعلامي رواد فاضل
في كل مرة تلوح فيها أزمة إقليمية أو توتر أمني في دولة مجاورة، نشهد مشهداً مألوفاً في الشارع العراقي: طوابير طويلة أمام محطات الوقود، ازدحام على شراء الطحين والبقوليات، وقلق يتسلل إلى الأحاديث اليومية. السؤال الذي يفرض نفسه: هل هذا سلوك نابع من خوفٍ متراكم؟ أم هو ثقافة مجتمع؟ أم أنه انعكاس لضعف الثقة بالمستقبل؟
العراقيون عاشوا عقوداً من الحروب والحصار والتقلبات الاقتصادية. تجربة التسعينيات، وما رافقها من شحّ في المواد الأساسية، تركت أثراً عميقاً في الوعي الجمعي. هذه الذاكرة لا تختفي، بل تستيقظ مع أول خبر عن أزمة محتملة. لذا يمكن فهم جزء من هذا السلوك بوصفه “استجابة دفاعية” تشكلت بفعل التجربة التاريخية.
لكن المسألة لا تتوقف عند الذاكرة فقط. هناك عامل آخر يتمثل في ثقافة “الاستعداد للأسوأ”، وهي ثقافة تتعزز في البيئات التي شهدت عدم استقرار طويل. حين تضعف الثقة بقدرة السوق أو الدولة على توفير الاحتياجات في أوقات الطوارئ، يتحول الفرد إلى مشروع مُخزِّن صغير يحاول حماية أسرته بنفسه.
ومن زاوية اقتصادية، فإن سلوك التهافت ذاته قد يصنع الأزمة التي يخشاها الناس؛ فالطلب المفاجئ يضغط على العرض، فتظهر الندرة ويرتفع السعر، ويتحقق القلق على أرض الواقع. إنها دائرة نفسية–اقتصادية مغلقة، تبدأ بإشاعة وتنتهي بأزمة مصطنعة.
إذن، ليس الأمر مجرد خوف، ولا مجرد ثقافة، بل مزيج من ذاكرة تاريخية مؤلمة، وقلق اجتماعي، وضعف في الثقة المؤسسية، إضافة إلى تأثير وسائل التواصل التي تضخم الأخبار بسرعة غير مسبوقة.
ويبقى التحدي الحقيقي: كيف ننتقل من رد الفعل العاطفي إلى السلوك الواعي؟
فالمجتمعات التي تتعلم من ماضيها لا تعيش أسيرة له، بل تبني ثقتها بالمعلومة والمؤسسة… وتكسر حلقة الذعر قبل أن تبدأ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى