مقالات

جمهورية الركام: ثلاثة وعشرون عاماً من الخيانة الممنهجة

بقلم / سهاد القيسي

على مدار ثلاثة وعشرين عاماً، لم يكن العراق مجرد ساحة لاضطرابات سياسية عابرة، بل كان مسرحاً لأكبر عملية “تفكيك ممنهج” لدولة بملامح حضارية. إن ما جرى لم يكن فشلاً في الإدارة فحسب، بل كان خيانة مكتملة الأركان مارستها طبقة سياسية لم ترَ في الوطن سوى “خزنة مفتوحة” وفي الشعب سوى “حطب” لصراعاتها المفتعلة.
عقيدة “الدولة المؤقتة” ونهج التدمير
منذ اللحظة الأولى، تأسست الطبقة السياسية على عقيدة “الغريب” الذي لا ينوي البقاء؛ فتعاملوا مع العراق كفندق للإقامة العابرة، وليس كوطن للأبناء والأحفاد. هذه الذهنية هي التي منعت تأسيس منظومة اقتصادية رصينة. لقد كان تغييب الصناعة الوطنية، وقتل الزراعة في مهدها، وتعطيل التجارة السيادية، فعلاً مقصوداً لتحويل العراق إلى “رئة استهلاكية” تتنفس عبرها اقتصاديات دول الجوار والإقليم.
إن تحطيم البنية التحتية لم يكن نتاج “قلة الخبرة”، بل كان تذكرة مرور لإدامة العقود الفاسدة والعمولات المليارية التي تُهرب إلى الخارج، ليبقى القرار العراقي رهينةً بيد من يملك مفاتيح الاستيراد والطاقة.
خيانة القرار: الوكيل بدلاً من الأصيل
إن أعمق جرح في جسد العراق هو “ارتهان الإرادة”. لقد تحول الساسة إلى خَدَم للقرار الخارجي، ينفذون أجندات عابرة للحدود على حساب الدم العراقي. في كل منعطف تاريخي، كان ميزان الربح والخسارة يُحسب في عواصم أخرى، بينما يُترك العراقيون يواجهون الإرهاب الذي صُنع في دهاليز المخابرات الدولية، والفساد الذي قُنِّن في أروقة البرلمانات الصورية.
لقد تخلت السلطة عن واجبها المقدس في حماية الإنسان، وتركت المواطن “وحيداً فريداً” يصارع الموت في الشوارع، والفقر في العشوائيات، والجهل في المدارس الطينية، بينما تضخمت ثروات “أمراء الحرب والسياسة” لتصل إلى أرقام خيالية تفوق ميزانيات دول مستقرة.
سوسيولوجيا الإذلال والفقر
لم يكتفِ النظام السياسي بنهب المال، بل حاول نهب “الكرامة الوطنية”. من خلال إشاعة الفوضى والفساد، خُلق مجتمع يطارد لقمة العيش ليلهث خلف “المنحة” أو “الراتب”، مما يجعله رهينة للولاءات الحزبية والتبعية الطائفية. إن ترك الشعب يصارع الفقر وسط فائض نفطي هائل هو جريمة أخلاقية كبرى، تهدف إلى إضعاف المناعة الوطنية ضد التدخلات الخارجية.
الخاتمة: نهاية الوهم
بعد عقدين ونيف، يجد العراق نفسه أمام حصاد مرّ: مؤسسات هشة، اقتصاد ريعي منهار، وسيادة مخترقة. إن الاستمرار في هذا النهج ليس إلا تمهيداً لضياع ما تبقى من هوية. لقد انتهى زمن الرهان على “الخارج” أو على “الوجوه المكررة”، وبات لزاماً على العراقيين استعادة وطنهم من براثن الفساد والخيانة، وإعادة بناء “الدولة-الأصل” التي تحترم إنسانها قبل أن تطالب بولائه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى