واجهوا كورونا ومخاطره بأقل الأجور… يوميات عمال النظافة الصحية في بغداد

اعداد التقرير / احمد هادي / بغداد
لطالما تغنت وسائل الإعلام العراقية بجهود الأطباء والممرضين بمواجهة فيروس كورونا لكن الضلع الثالث الذي يخلق مشفىً بلا قمامة وغرفاً من دون فضلات وطرقات خالية من الفيروسات وعيادات ومعدات منزوعة الأتربة والأوساخ يبقى غائباً ولا أحد يذكره ، فالجميع يعتبر وجودهم إما أمراً مفروغاً منه، أو لا يراهم من الأصل، فطالما الطبيب يعالج والممرضة تمرّض والمريض يُشفى أو حتى يموت، فإن هذا يعني أن العملية الصحية حيّة ترزق.
في إحدى المستشفيات الخاصة في بغداد تقول عاملة النظافة “أم زهراء” -51 عاماً- ” اضطررت الى التغيب ليوم واحد عن العمل لظروف شخصية، وجدت بعدها ان حال المشفى انقلب رأسا على عقب ، فلم يتوقف هاتفي عن الرنين، بين مهدّد ومتوعّد ومتودّد”.
وتضيف:” هدنني المدير بالتوقيع على خصم من مرتبي لو لم اتوجه للعمل فوراً لمصلحتي ومصلحة أبنائي المعتمدين على راتبي، فقد تم تقليص عدد عمّال النظافة في المستشفى منذ بداية أزمة “كورونا”، وذلك لأسباب عدة تتراوح بين انخفاض أعداد المرضى المترددين على المستشفيات خوفاً من الفيروس، وانخفاض أرباح المستشفى نتيجة لذلك، واتجاه الإدارة لتقليص النفقات بالضغط على الحلقات الأضعف”.
تتحدث “ام زهراء” لـ(JHR):” هناك 4 عاملات نظافة معي في المشفى تتراوح رواتبنا الشهرية بين 500-650 الف (نحو 300-350 دولاراً)، وهو راتب متواضع قياساً بما واجهناه اثناء أزمة كورونا، كنا وجهاً لوجه مع المرض ، لكننا مجبرون على ذلك فهناك عائلة تنتظر الطعام ومالك سكن ينتظر الإيجار ولاخيارات آخرى بالافق”.
الغالبية المطلقة من عمال النظافة الصحية- الذين لا يوجد لإعدادهم حصر رسمي – تنتمي لفئة اجتماعية واقتصادية بالغة التواضع، في ظل تعاقد الآلاف بنظام العمل اليومي حيث لا أوراق رسمية أو التزامات من حيث الحقوق والواجبات ،يسكنون في أماكن شعبية أو عشوائية ورواتبها متدنية لمستويات تؤهل أغلبهم للهيمنة الكاملة على خط الفقر.
“العمل في المستشفى اثناء كورونا ..كابوس حقيقي”
“ام حسين” عاملة نظافة في احدى المستشفيات الحكومية في بغداد، رفضت ذكر اسم المستشفى؛ كي لا تتعرض وظيفتها لخطر تقول لـ((JHR:” كانت مدة كورونا من اقسى التجارب في حياتي، رغم عملي في هذا المجال لاكثر من 8 اعوام، واجهت الفيروس بشكل مباشر وتعاملت مع مرضاه وموتاه احياناً”.
تسترسل قائلة:” كنت اخشى على حفيدتي المصابة بالربو من كورونا، فكرتُ كثيراً بأن اترك العمل لأجلها لكني لم اجد رزقاً آخر يعيل ابنتي وحفيدتي وزوجي المُقعد، كان عملي اثناء الفيروس كابوس حقيقي”.
تصف “ام حسين” شعورها وهي تقترب من غرف المصابين بكورونا، بالقول: “تراودني الكثير من الأفكار السوداوية وأعيش حالة رعب حقيقي ، في أي لحظة ستكون فكرة اصابتي حقيقية وسأعرض عائلتي للموت”.
تضيف:” رغم مخاطر عملي لم يزيد راتبي عن الـ 350 الف دينار(230 دولاراً)، لم تلفت الحكومة لشريحتنا التي تعاني وعانت الكثير سيما في مدة انتشار كورونا في العراق فنحن كنا على خط تماس مباشر مع المرضى ونحمل نفاياتهم وننظف المستشفيات الملئية بالفيروسات”.
“لم اسمع بمطالب برلمانية لدعمنا بحوافز مالية في فترة الوباء فقط؛ باعتبارنا الفئة الأكثر عرضة للإصابة بالعدوى بعد الأطباء، فنحن نتعامل مع القمامة والنفايات الطبية بشكل مباشر يومياً”، ” نحن منسيين بل ويُنظر لنا نظرة دونية”.
عن هذا الموضوع تقول الاخصائية النفسية منتهى الراوي لـ((JHR ان :”المعاملة المختلفة من شخص لآخر والنظرة الدونية سببها عوامل مختلفة منها الشخصية والثقة بالنفس والبيئة التي يعيش فيها فضلاً عن مستوى التعليم وغيرها من العوامل، ولكن مما لا شك فيه هو أن عدم تقدير العامل واحترام كيانه كإنسان ومهنته كمنتج في المجتمع قد يؤثر على صحته النفسية و جودة أدائه بشكل سلبي”.
تضيف :” لم تعد وظيفة عمال النظافة الصحية في المستشفى مهنة عادية، بل باتت وظيفة خطرة جداً في ظل انتشار فيروس كورونا الذي أودى بحياة الآلاف حول العالم”.
“عملي في كورونا اهانني”
يشعر “جاسم /ابو عبد الله” مثل الكثيرين الذين يعملون في مهنة التنظيف، أنهم يعاملون بطريقة مختلفة من قبل المجتمع لأنهم عمال نظافة، حيث يعتقد كثيرون أنه ليس من الضروري ارتدائهم لملابس الوقاية الكاملة كما يفعل الأطباء والممرضون، وأنه يكفي استخدام القفازات والأقنعة من قبلهم.
رغم تشديد منظمة الصحة العالمية توصي بعدة إجراءات عند القيام بغسل الأغطية والملابس المستعملة من قبل المصابين بفيروس كورونا، منها ارتداء معدات الحماية الشخصية المناسبة، وتشمل القفازات المتينة وحيدة الاستعمال والكمامة وحماية العينين بالنظارات الواقية وارتداء لباس طويل بأكمام طويلة وأحذية طويلة أو محكمة الإغلاق، قبل لمس أي أغطية أو ملابس مستخدمة، الا ان بعض مستشفيات العراق لا تطبق قاعدة الحماية الكاملة للعاملين غير الطبيين في المستشفيات بشكل متساوٍ بسبب نقص المعدات والحاجة المتزايدة إليها.
يقول “ابو عبد الله” لـ (JHR) وهو عامل نظافة في احدى مستشفيات أطراف بغداد :” لم أشعر بقلة التقدير مثلما شعرت بها حينما فضل مدير قسم العمليات ان يرتدي بدلي طبيب السترة الواقية من كورونا واكتفي انا بالكمامة والقفازات”.
يضيف:” ينظر العالم لنا دائماً بأن لاقيمة لنا، في حين ان احوالهم ستنقلب لو غبنا، هناك اهانة وعدم تقدير في اجورنا التي نتقضاها وفي نظرة المجتمع لنا”.
يُكمل “ابو عبد الله” حديثه :” لم يتجاوز ما اتقاضه عن عملي الـ400 الف (270 دولاراً) دينار وربما مع اكراميات المرضى قد يصل في اقصى الحالات 460 الف (315 دولاراً) وهذه اجور تحسسني دائماً بالإهانة قياساً بالعمل الذي اقدمه سيما في فترة كورونا التي واجهتُ بها المصابين رغم رعبي من ان اصاب وعائلتي في اي لحظة بالمرض وليس لدي مال كافي لمواجهته فالموت حينها سيكون حتمي”.
النفايات الطبية في العراق
تمثل الآلية التي تتبعها المستشفيات العراقية في التخلص من النفايات الطبية “سبباً لتلوث الأجواء، وزيادة أعداد المرضى”، سيما في ظل جائحة كورونا.
والنفايات الطبية هي كل ما ينتج عن العمليات وعلاج المرضى، بما فيها الأجزاء المستأصلة من الجسم وتسمى الأخيرة بالنفايات التشريحية.
عالمياً، يتم التعامل مع هذه النفايات بطريقتين، الحرق وهي الطريقة المتبعة في العراق، أو وضعها في جهاز فرم خاص يحتوي مواد تعقيم وهي الطريقة الأكثر أماناً، وصديقة للبيئة.
أشارت منظمة الصحة العالمية الى ان كمية النفايات الناتجة عن أنشطة الرعاية الصحية تشكل 80% من النفايات العامة. ويعتبر ما تبقى من 20٪ من المواد الخطرة التي قد تكون معدية أو سامة أو مشعة.
نفايات الرعاية الصحية تحتوي على الكائنات الدقيقة الضارة المحتملة التي يمكن أن تصيب المرضى في المستشفيات والعاملين في مجال الرعاية الصحية وعامة الناس.
بهذا الشأن كشفت وزارة البيئة العراقية في حزيران /يونيو الماضي عن برنامج رقابي بشأن معالجة النفايات الطبية، فيما حددت الإجراءات المتخذة تجاه المستشفيات المخالفة لمعالجة تلك النفايات.
وقال مدير عام البيئة لمنطقة الوسط شاكر الحاج إن “اجراءاتنا تجاه معالجة النفايات الطبية في المستشفيات وفق القانون، تعتمد على برنامج رقابي، حيث نقوم بمراجعة جميع المحددات والمتطلبات الموجودة”، مبينا أن “النفايات الطبية تصنف من اخطر النفايات ولها سياق معين لخزنها ونقلها والتخلص منها”.
وأضاف، أن “على المؤسسات التي ليس لها محرقة او مثرمة وفقا للقانون أن تتعاقد مع إحدى المؤسسات الحكومية للتخلص منها”، مشيرا الى أن “اي خلل بمراحل الخزن والفرز والنقل فهناك اجراءات عقابية وفق القانون”.
وتابع أن “هذه الاجراءات بالنسبة للمؤسسات الصحية الاهلية هي الانذار ومن ثم الغرامة والغلق، اما المؤسسات الصحية الحكومية فيكون الامر تابعا لقرار السلطة الفنية، فاذا أثر قرار غلق النشاط على المجتمع والدولة فيتم اللجوء الى الغرامة التي تتكرر شهريا ومن ثم التوجه الى القضاء”.
وأكد الحاج أن “هناك اجراءات قانونية تجاه مستشفيات حكومية واهلية حول عدة مخالفات كعدم فرز النفايات او عدم التعاقد مع محرقة وهذا مشخص لدينا”، لافتا الى أن “هناك تشديدا رقابيا على المستشفيات الحديثة التي تمتلك اجازات كوننا حاسمين ومستمرين في التدقيق حسب المحددات البيئية فيما يخص المؤسسات الصحية”.
تم نشر هذا التقرير بدعم من JDH / JHR – صحفيون من أجل حقوق الإنسان والشؤون العالمية في كندا.



