أخبار دولية

الاستضافة والرؤية في ضوء القانون الحالي ومشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد

علاء حمدي

شارك د. عماد الدين منير الأستاذ المنتدب بكلية الحقوق – جامعة العاصمة بورقة عمل حول الاستضافة والرؤية في ضوء القانون الحالي ومشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد: قراءة قانونية نحو تحقيق التوازن العادل لمصلحة الطفل ضمن فعاليات الملتقى الثاني عشر لمجلس الأسرة العربية للتنمية، أحد مجالس الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة، والذي يُعقد تحت رعاية جامعة سيناء، تأتي هذه الورقة العلمية لتناقش إحدى أكثر قضايا الأحوال الشخصية حساسية وتأثيرًا في استقرار الأسرة، وهي قضية الرؤية والاستضافة في ضوء القانون الحالي ومشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد.

ويهدف الملتقى إلى فتح حوار علمي وقانوني ومجتمعي يجمع بين الخبراء والمتخصصين وصناع القرار، من أجل الوصول إلى رؤى تشريعية متوازنة تدعم استقرار الأسرة وتحافظ على حقوق جميع أفرادها، وفي مقدمتهم الطفل، باعتباره محور الحماية القانونية والاجتماعية.

وتُعد قضايا الرؤية والاستضافة من أكثر المسائل إثارةً للجدل في نطاق الأحوال الشخصية، لما تمثله من تقاطع بين الحقوق القانونية والاعتبارات الاجتماعية والنفسية المرتبطة بالطفل والأسرة. وقد تجاوزت هذه القضايا في واقعها العملي فكرة النزاع التقليدي بين الأب والأم بعد انتهاء العلاقة الزوجية، لتصبح مسألة تتعلق بحق أصيل للطفل في الحفاظ على روابطه الطبيعية بكلا والديه، باعتبار أن استمرار هذه الروابط يمثل أحد أهم مقومات التنشئة السليمة والاستقرار النفسي والاجتماعي.

ومن خلال التطبيق العملي للنظام القانوني القائم، برزت العديد من الإشكاليات المرتبطة بنظام الرؤية في صورته التقليدية. فاقتصار الرؤية على ساعات محدودة أسبوعيًا وفي أماكن عامة أو نوادٍ اجتماعية لا يتيح في كثير من الأحيان بناء علاقة طبيعية ومتوازنة بين الطفل والطرف غير الحاضن، بل قد يحول هذه العلاقة إلى لقاءات بروتوكولية تفتقر إلى المضمون التربوي والإنساني الذي تستلزمه الرابطة الأبوية. كما كشفت الممارسة القضائية عن أن بعض المنازعات المتعلقة بتنفيذ أحكام الرؤية أصبحت تمثل أحد أبرز أسباب استمرار الخلافات الأسرية بعد الطلاق، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على الطفل باعتباره الطرف الأضعف في هذه المعادلة.

وفي هذا السياق، جاءت الاتجاهات التشريعية الحديثة ومشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد لتطرح مفهوم الاستضافة باعتباره آلية قانونية تهدف إلى تطوير العلاقة بين الطفل والطرف غير الحاضن، بما يسمح بقضاء فترات زمنية أطول معه في إطار يحقق التواصل الأسري الحقيقي، ويعزز دوره التربوي والنفسي في حياة الطفل. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن مصلحة الطفل لا تتحقق بمجرد تمكينه من رؤية أحد والديه لساعات محدودة، وإنما تقتضي تمكينه من بناء علاقة طبيعية ومتوازنة مع كليهما.

إلا أن استحداث نظام الاستضافة لا ينبغي النظر إليه باعتباره انتصارًا لطرف على حساب طرف آخر، وإنما باعتباره وسيلة لتحقيق المصلحة الفضلى للطفل، وهي المبدأ الذي استقرت عليه التشريعات الحديثة والاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الطفل. ومن ثم، فإن نجاح هذا النظام يظل مرهونًا بوجود إطار قانوني متكامل يوازن بين الحقوق والواجبات، ويكفل توفير الضمانات اللازمة لحماية الطفل والحاضن والطرف المستضيف على حد سواء.

ومن أهم هذه الضمانات التأكد من ملاءمة مكان الاستضافة وتوافر الظروف المناسبة لإقامة الطفل، والتزام الطرف المستضيف بإعادة الطفل في المواعيد المحددة، ووجود جزاءات قانونية رادعة في حالات الامتناع عن التنفيذ أو إساءة استعمال الحق، فضلًا عن مراعاة سن الطفل وحالته الصحية والنفسية ومستواه الدراسي، ومنح المحكمة سلطة تقديرية واسعة تمكنها من التعامل مع كل حالة وفق ظروفها الخاصة بعيدًا عن الحلول الجامدة.

والحقيقة أن جوهر النقاش الدائر حول الرؤية والاستضافة لا ينبغي أن ينصرف إلى البحث عن صاحب الحق الأقوى بين الأب والأم، وإنما إلى كيفية تحقيق المصلحة الفضلى للطفل. فالحضانة ليست امتيازًا شخصيًا للحاضن، كما أن الاستضافة ليست حقًا مطلقًا للطرف غير الحاضن، وإنما كلاهما نظامان قانونيان يستهدفان حماية الطفل وضمان استمراره في إطار أسري متوازن رغم انفصال والديه.

ومن هذا المنطلق، فإن أي تنظيم تشريعي ناجح لهذا الملف يجب أن يرتكز على ثلاثة مبادئ أساسية:

– حق الطفل في الاحتفاظ بعلاقة طبيعية ومستقرة مع كلا والديه.

– حق الحاضن في الاطمئنان على سلامة الطفل واستقراره.

– حق الطرف غير الحاضن في ممارسة دوره الأبوي والتربوي بصورة فعلية تتجاوز مجرد الزيارة العابرة إلى المشاركة الحقيقية في بناء شخصية الطفل وتنشئته.

ولا شك أن الجدل المجتمعي والقانوني المصاحب لمشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد يعكس أهمية هذا الملف وحساسيته، كما يعكس حرص مختلف الأطراف على الوصول إلى صياغة تشريعية تحقق العدالة وتحافظ على استقرار الأسرة. ومن ثم فإن نجاح المشرع في تحقيق التوازن بين الرؤية والاستضافة سيشكل خطوة مهمة نحو بناء منظومة أكثر عدالة وإنسانية، تضع مصلحة الطفل في صدارة الاعتبارات التشريعية والقضائية.

ختامًا، فإن مستقبل تنظيم العلاقة بين الطفل ووالديه بعد الانفصال لا ينبغي أن يقوم على فكرة الغلبة أو الانتصار لأي من الطرفين، وإنما على فلسفة الشراكة في المسؤولية الأبوية. فالرؤية والاستضافة ليستا حقين متعارضين، بل وسيلتان متكاملتان للحفاظ على الروابط الأسرية وضمان حق الطفل في حياة متوازنة وآمنة. وعندما ينجح القانون في تحقيق هذا التوازن، فإنه لا يحمي الأسرة فحسب، بل يسهم أيضًا في بناء مجتمع أكثر استقرارًا وتماسكًا وعدالة، وهو ما يتوافق مع أهداف الملتقى الثاني عشر لمجلس الأسرة العربية للتنمية في دعم التشريعات التي تعزز استقرار الأسرة العربية وتصون حقوق الطفل باعتباره حجر الأساس في بناء المجتمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى