الطريق الى كربلاء: من صلح الحسن الى ثورة الحسين (4)
جيش الحسن ومعاوية.. لماذا اتجهت الأمور نحو الصلح بدل الحسم العسكري؟

بقلم المهندس رسول العذاري
عندما بويع الحسن بن علي بالخلافة سنة 40 للهجرة، لم يكن أمامه متسع من الوقت لترتيب أوضاع دولته أو تثبيت سلطته في الأقاليم التابعة له. فالصراع مع معاوية لم يكن خلافاً سياسياً مؤجلاً يمكن حله بالمراسلات أو المفاوضات الطويلة، بل كان امتداداً مباشراً للصراع الذي بدأ في عهد علي بن أبي طالب.
كان الطرفان يدركان أن العالم الإسلامي لا يستطيع الاستمرار طويلاً تحت سلطتين متنافستين. لذلك بدا واضحاً أن المواجهة العسكرية أصبحت احتمالاً كبيراً، وربما حتمياً.
وبالفعل شرع معاوية في التحرك من الشام باتجاه العراق، بينما بدأ الحسن في إعداد جيش لمواجهته.
وهنا تظهر أول حقيقة تاريخية مهمة:
لو كان الحسن يرى أن معاوية هو الخليفة الشرعي الذي تجب طاعته، لما جمع جيشاً أصلاً. فمجرد استعداده للقتال يدل على أنه كان يرى لنفسه حقاً في قيادة الدولة، وأن الخلاف لم يكن قد حُسم بعد.
لكن المشكلة لم تكن في شرعية الحسن أو مكانته، بل في طبيعة القوة التي كان يعتمد عليها.
لقد ورث الحسن الجيش نفسه الذي خاض مع والده معارك الجمل وصفين والنهروان. وعلى الرغم من ضخامة هذا الجيش نظرياً، فإنه كان يعاني من مشكلات داخلية عميقة تراكمت عبر سنوات طويلة من الحروب.
فالكثير من المقاتلين كانوا قد فقدوا الحماس لمواصلة القتال. والقبائل التي شاركت في الحروب السابقة دفعت أثماناً بشرية واقتصادية كبيرة. كما أن حالة الإرهاق النفسي كانت واضحة في المجتمع العراقي بصورة عامة.
وزاد الأمر تعقيداً أن الحسن لم يرث دولة علي كما كانت قبل سنوات، بل ورثها بعد أن فقدت مصر، إحدى أهم ولاياتها وأكثرها ثراءً وتأثيراً. فبعد استيلاء معاوية على مصر سنة 38 للهجرة أصبحت موارد الشام ومصر مجتمعتين تحت قيادته، الأمر الذي عزز قوته العسكرية والاقتصادية بصورة كبيرة قبل مبايعة الحسن بمدة ليست طويلة.
وفي المقابل كان الوضع مختلفاً في الشام.
فمعاوية لم يخض الحروب الداخلية التي استنزفت العراق بالدرجة نفسها. وكانت الشام أكثر استقراراً سياسياً، وأكثر تماسكاً قبلياً، كما أن جيشها ظل يعمل تحت قيادة موحدة لسنوات طويلة.
وبينما كان جيش الشام يتحرك وفق قيادة مركزية واضحة، كان جيش العراق يضم اتجاهات متعددة ومتناقضة.
ففيه أنصار مخلصون لأهل البيت مستعدون للقتال حتى النهاية.
وفيه زعماء قبائل يبحثون عن مصالحهم السياسية.
وفيه أفراد انضموا للجيش بحكم الانتماء القبلي لا بدافع عقائدي أو سياسي.
وفيه الخوارج الذين كانوا يعتبرون الحسن ومعاوية معاً جزءاً من الأزمة التي تعيشها الأمة.
هذه التركيبة جعلت الحسن يواجه معركة على جبهتين في الوقت نفسه: جبهة معاوية في الخارج، وجبهة الانقسام داخل معسكره.
ومع اقتراب الجيشين من بعضهما بدأت تظهر مؤشرات مقلقة.
فبعض المصادر التاريخية تذكر أن معاوية لجأ إلى المراسلات السياسية مع عدد من زعماء القبائل والقادة العسكريين في معسكر الحسن، محاولاً استمالتهم أو تحييدهم بالوعود والمناصب والأموال.
كما تشير الروايات إلى أن بعض الشخصيات البارزة بدأت تفكر في تجنب الحرب أو البحث عن تسوية سياسية بدلاً من خوض مواجهة قد تكون نتائجها كارثية.
لكن أخطر ما واجهه الحسن كان اهتزاز الثقة داخل جيشه نفسه.
ففي لحظة كان القائد يحتاج فيها إلى جيش موحد ومستعد للقتال، بدأت تظهر حالات من التردد والانقسام، بل إن بعض الروايات تتحدث عن انشقاقات فعلية في صفوف القوات التي كان يعول عليها.
ومن أشهر تلك الحوادث ما تنقله المصادر عن عبيد الله بن العباس، أحد أبرز قادة جيش الحسن، إذ تذكر أنه ترك معسكر الحسن والتحق بمعاوية بعد مراسلات وعروض مالية مغرية. ومهما اختلف المؤرخون في بعض تفاصيل الحادثة، فإن دلالتها السياسية كانت واضحة؛ فقد كشفت أن المعركة لم تعد تدور بين جيشين فقط، بل داخل معسكر الحسن نفسه.
بل إن بعض الروايات تذهب إلى أبعد من ذلك، فتتحدث عن مراسلات سرية بين معاوية وعدد من الشخصيات العراقية المتنفذة، أبدى بعضها استعداداً للتخلي عن الحسن إذا رجحت كفة خصمه. وحتى لو اختلف الباحثون في تفاصيل هذه الأخبار، فإن كثرتها في المصادر المختلفة تعكس وجود أزمة ثقة حقيقية داخل الجبهة العراقية.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد.
ففي إحدى الحوادث الشهيرة تعرض الحسن لمحاولة اعتداء من داخل معسكره، وأصيب بجراح خلال تلك الأحداث. وبغض النظر عن التفاصيل الدقيقة التي يختلف حولها المؤرخون، فإن وقوع مثل هذا الحادث يكشف حجم الاضطراب الذي كان يعيشه المعسكر العراقي.
وهنا بدأ الحسن يواجه السؤال الأصعب في حياته السياسية:
هل يمكن الانتصار في حرب ضد جيش منظم ومستقر بينما الجبهة الداخلية تعاني هذا القدر من الانقسام؟
كان الخيار الأول هو الاستمرار في الحرب.
لكن هذا الخيار كان يعني احتمال تعرض العراق لهزيمة قاسية قد تؤدي إلى سقوط أعداد هائلة من القتلى وإطالة أمد الفتنة التي أنهكت المسلمين لسنوات.
أما الخيار الثاني فكان البحث عن تسوية سياسية تحفظ ما يمكن حفظه من وحدة الأمة وتجنبها حرباً جديدة قد لا تكون نتائجها في صالح أحد.
ومن هذه اللحظة تحديداً بدأت فكرة الصلح تتحول من احتمال سياسي إلى خيار واقعي مطروح على الطاولة.
ولم يكن السؤال عندئذ: من الأحق بالحكم؟
بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً:
هل تستحق الخلافة حرباً جديدة بين المسلمين بعد كل ما جرى في الجمل وصفين والنهروان؟
لقد كان هذا هو التحدي الحقيقي الذي واجهه الحسن بن علي.
وخلال الأشهر التالية ستقود الإجابة عن هذا السؤال إلى واحد من أهم الاتفاقات السياسية في التاريخ الإسلامي: صلح الحسن مع معاوية، وهو الصلح الذي أنهى الحرب مؤقتاً، لكنه فتح الباب أمام تطورات ستقود بعد عشرين عاماً إلى كربلاء



