مقالات

د. ليلى الهمامي تكتب : نحن وتونس !

نشأنا منذ الصغر على يقينٍ لا يتزحزح: أن الوطن فوق الجميع، وأن الراية أسمى من كل الرموز، وأن الوطنية لا تُعلَن في الرخاء بل تُمتحَن في المحن.

نحن بنات تونس وأبناؤها. لا ملاذ لنا سواها، ولا أفق نرى العالم منه إلا من خلالها. لا نقيس المصالح إلا بميزانها، ولا نزرع إلا في ترابها، ولا نستمد الحياة إلا من خيراتها.

نعم نختلف، ونعم نتصارع، ولكننا ساعة يشعر أحدنا أن الخلاف قد يتصدّع به جدار البيت، نكسر حدّة الصوت بأيدينا، ونردّ الأمر إلى الوطن.

لقد أثبت هذا الشعب، جيلاً بعد جيل، أن له عبقرية في تجاوز المهالك. حكمةٌ فطريةٌ توقظه قبل أن يقع في المطب، وتبصّره بالدسائس قبل أن تُنسَج، وتجعله يقرأ ما وراء منعرجات التاريخ السياسي، حيث يُطبخ القرار في السرّ ويُقدَّم في العلن.

من البديهي أن لكل كائن غريزة بقاء تردّه عن الموت، ولكن التاريخ علّمنا أن أمماً كثيرة نامت فانقرضت. أما نحن فكان لنا دوماً من يوقظ النائم، ومن يسدّ الثغر حين يميل، ومن يقف على السور فلا تمرّ منه رياح الغزو.

نحن أبناء ملاحم. شهدنا الهزيمة فتعلّمنا، وذقنا النصر فتواضعنا. كنا السدّ الذي تحطّمت عليه أطماع الطامعين. لم نكن يوماً طغاة ولا غزاة، ولكننا عشنا على عهدٍ واحد: أن تُصان الأرض ويُحفظ العرض.

في ذاكرتنا لا مكان للخائن. لم نبهر يوماً بمن باع، ولم نركع يوماً لعناوين صنعتها أيادٍ من عندنا لغيرنا. ولم تُغرِنا يوماً بزّةُ سادة أوروبا، ولا بريقُ حكام أمريكا.

لسنا ممّن يصطفّون لالتقاط صورة مع أرباب الاستعمار، ولا ممّن يُذهلهم سطرٌ باهت على ورقٍ مهمل. نحن على ما نحن عليه: نخطئ فنُقوّم، ونجرّب فنبتدع، ونصنع لأنفسنا دروب النجاة. لا سيد علينا. نتعلّم من تاريخنا، ونصغي إلى تجارب الآخرين، ثم نعود فنقرّر بأنفسنا. أحرار. نعتبر بفواجعنا، ونتعثّر فننهض، ونبني على أمجادنا ما يليق بأحفادنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى