مقالات

بين الرياض والقاهرة .. لماذا تُزعج العلاقات السعودية المصرية تجّار الفتنة؟

بقلم: مصطفى محمد القرشي

كلما التقت الرياض والقاهرة، وكلما تحركت العلاقات السعودية المصرية خطوة استراتيجية إلى الأمام، أطلت أصوات عاجزة عن قراءة المشهد بمنطق الدول ومصالحها؛ أصوات لا ترى اللقاء بوصفه تعاونًا بين دولتين كبيرتين، تمتلك كل منهما قرارها وسيادتها ومصالحها العليا، بل تسارع إلى اختراع معركة وهمية: من يحتاج إلى الآخر؟ من يقود من؟ من تراجع ومن انتصر؟

وكأن العلاقات بين القوى الكبرى في الإقليم لا يمكن أن تقوم إلا على منطق الغالب والمغلوب، أو لعبة صفرية لا يربح فيها طرف إلا بخسارة الآخر.

وأعادت اللقاءات والتنسيق المتواصل بين سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس عبدالفتاح السيسي هذا الخطاب المشوه إلى الواجهة. فبدلًا من قراءة العلاقات الاستراتيجية وما تشهده من تنسيق سياسي وأمني واقتصادي، يذهب بعض الكتّاب والأقلام المؤدلجة إلى حياكة روايات عن «مأزق سعودي» و«استدعاء مصر للإنقاذ»، ويصل الشطط أحيانًا إلى الادعاء بأن السعودية تبحث عن «جندي مصري» ليخوض معاركها.

وهنا ينبغي التمييز بين التحليل السياسي وصناعة الرواية المؤدلجة؛ فالتحليل يبدأ من الوقائع والمعطيات ليصل إلى الاستنتاج، بينما تبدأ الرواية المؤدلجة بالاستنتاج المسبق، ثم تنتقي من التاريخ والأحداث ما يخدمه.

إن نقد السياسات السعودية أو المصرية حق مشروع؛ فالدول وقراراتها ليست فوق النقد. لكن الخلل يبدأ عندما يُفسَّر كل تقارب بين الرياض والقاهرة على أنه «صراع مكتوم»، وكل اختلاف طبيعي في التقدير على أنه «قطيعة»، وكل لقاء رسمي على أنه «استغاثة طرف بالآخر».

التاريخ ليس وقودًا لفتنة جديدة

من أكثر الأدوات استخدامًا في هذا الخطاب استدعاء حقبة الستينيات وحرب اليمن، وإسقاط الخلاف بين السعودية ومصر في عهد الملك فيصل والرئيس جمال عبدالناصر آليًا على واقع اليوم.

نعم، اختلفت الرياض والقاهرة في مراحل تاريخية، وبلغ الاختلاف حد المواجهة السياسية والميدانية في اليمن؛ وهذه حقيقة تاريخية لا تحتاج إلى إنكار.

لكن الدول لا تعيش أسيرة لحظة واحدة من تاريخها.

السعودية في 2026، باقتصادها وتحولاتها التنموية وثقلها السياسي والاستثماري المتنامي، ليست السعودية في الستينيات، ومصر بمؤسساتها وموقعها وتحدياتها ومصالحها الحالية ليست مصر الستينيات.

لقد تغير النظام الدولي، وتبدلت جغرافيا المصالح، واختلفت موازين القوة، وتغير اليمن نفسه والمنطقة من حوله. ومن الخطأ المنهجي أن نقتطع صورة عمرها أكثر من ستة عقود ثم نحاول إجبار الحاضر على الدخول في إطارها.

فالتاريخ يُقرأ لفهم الحاضر، لا لاختطافه.

البحر الأحمر وأمن الإقليم.. جغرافيا لا تعترف بالشعارات

بعيدًا عن السجالات الإعلامية، هناك حقيقة جيوسياسية واضحة: تمثل السعودية ومصر ركيزتين أساسيتين في معادلة أمن البحر الأحمر.

أمن باب المندب والاستقرار في اليمن يمسان الأمن القومي السعودي مباشرة، لكنهما في الوقت ذاته يرتبطان بأمن الملاحة المؤدية إلى قناة السويس وبمصالح الاقتصاد المصري والتجارة الدولية.

وعندما تتدارس الرياض والقاهرة أمن الممرات البحرية واستقرار المنطقة، يصبح السؤال: «من جاء ليستنجد بمن؟» سؤالًا لا يفسر طبيعة المصالح بين الدول.

أما السؤال الاستراتيجي الحقيقي فهو: كيف تنسق دولتان تتقاطع مصالحهما الحيوية للمساهمة في حماية واحد من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم؟

إن تراجع التنسيق بين الرياض والقاهرة لا يضر البلدين وحدهما؛ بل يوسع مساحة الفراغ الاستراتيجي التي يمكن أن تستفيد منها قوى إقليمية وجماعات مسلحة عابرة للحدود، بما يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها.

لغة الأرقام تفكك وهم المؤامرة

العلاقة السعودية المصرية ليست صورًا بروتوكولية ولا بيانات دبلوماسية فقط؛ خلفها بنية اقتصادية ومؤسسية متراكمة يصعب اختزالها في رواية «من يحتاج إلى من؟».

فبحسب البيانات الرسمية السعودية، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال خمسة أعوام نحو 266 مليار ريال سعودي، منها نحو 168 مليار ريال صادرات سعودية، وسجلت التجارة بين البلدين نموًا بلغ 20.5% خلال تلك الفترة.

وفي النصف الأول من عام 2026 وحده، بلغت الصادرات المصرية إلى السعودية نحو 1.8 مليار دولار، لتصبح السعودية أكبر سوق للصادرات المصرية بين دول مجموعة بريكس خلال تلك الفترة.

ولا تتوقف العلاقة عند حركة السلع؛ فهناك استثمارات وشركات ومشروعات مشتركة وتعاون في قطاعات الطاقة والصناعة والعقار والسياحة والخدمات، إلى جانب روابط بشرية ممتدة بين الشعبين.

كما أن إنشاء مجلس التنسيق الأعلى السعودي المصري وتوقيع اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة يعكسان اتجاهًا مؤسسيًا لنقل العلاقة من مجرد التنسيق السياسي إلى شراكة أكثر تنظيمًا واستدامة.

هذه المصالح لا تعني تطابق الموقفين السعودي والمصري في كل ملف، ولا ينبغي لها ذلك؛ فاستقلال القرار الوطني حق سيادي لكل دولة. والاختلاف في إدارة بعض الملفات أو حتى المنافسة الاقتصادية أمر طبيعي يحدث بين أكبر الشركاء في العالم.

لكن هناك فارقًا كبيرًا بين اختلاف المصالح الطبيعي وبين صناعة مؤامرة دائمة على الزعامة.

لماذا يرتع «تجّار الفتنة» في المساحات البينية؟

تستفيد بعض المنصات والأقلام من تضخيم أي تباين سعودي مصري؛ بعضها تحركه صناعة الإثارة وجذب التفاعل، وبعضها ينطلق من حسابات سياسية وأيديولوجية ترى في قوة التنسيق بين الرياض والقاهرة أمرًا لا يخدم تصوراتها للمنطقة.

هؤلاء لا يرتاحون للعلاقة إلا إذا وضعوا أحد البلدين في موقع «التابع».

إن اقتربت القاهرة من الرياض، قيل: «مصر رهينة للتمويل السعودي».

وإن نسقت الرياض مع القاهرة في ملف إقليمي، قيل: «السعودية انكسرت وتستنجد بمصر».

وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة: زرع الشك بين الشعبين، وتحويل المصالح المشتركة إلى مادة للاستفزاز الوطني.

يقال للمصري إن السعودية تسعى إلى انتزاع دور مصر التاريخي، ويقال للسعودي إن مصر تنتظر تعثر السعودية لاستعادة دورها؛ وهكذا تُصنع معركة لا يحتاج إليها البلدان أصلًا.

والأخطر أن مثل هذا الخطاب يعرف جيدًا كيف يستثير الاعتزاز الوطني المشروع لدى الشعبين، ثم يحوله من مصدر قوة إلى أداة خصومة.

معادلة القوة التكاملية.. لا غلبة بل استقرار

العلاقات بين الدول لا تُبنى على العاطفة وحدها، ولا تُهدم لمجرد وجود اختلاف؛ وإنما تحكمها المصالح الوطنية.

والمصلحة السعودية والمصرية اليوم لا تقتضي أن تنتصر إحداهما على الأخرى، بل أن تمنعا معًا أن ينتصر الاضطراب على المنطقة.

السعودية القوية إضافة إلى قوة مصر، ومصر القوية إضافة إلى قوة السعودية؛ وفي اجتماعهما تتسع مساحة الاستقرار العربي.

لا تحتاج مصر إلى إضعاف السعودية حتى تكون دولة عربية كبرى، ولا تحتاج السعودية إلى تهميش مصر حتى تثبت مكانتها.

السعودية تمتلك قوة اقتصادية واستثمارية كبيرة، وثقلًا عربيًا وإسلاميًا وموقعًا جيوسياسيًا مؤثرًا، فيما تمتلك مصر ثقلًا سكانيًا وعسكريًا وتاريخيًا وموقعًا استراتيجيًا يتحكم في أحد أهم شرايين التجارة الدولية.

وهذه ليست بالضرورة عناصر تنافس صفري؛ بل يمكن أن تكون مقومات تكامل استراتيجي نادر.

فالعلاقات الندية الراسخة لا تُقاس بمن يسحب الآخر إلى موقفه، وإنما بقدرة الطرفين على إدارة اختلافاتهما وتعظيم المساحات التي تلتقي فيها مصالحهما.

ما بين الرياض والقاهرة أكبر من مقال

قد تختلف التقديرات بين الرياض والقاهرة، وقد تتباين الحسابات السياسية أو الاقتصادية في ملف هنا أو هناك، وهذا طبيعي في عالم الدول.

لكن غير الطبيعي هو تحويل كل زيارة إلى «قصة انكسار»، وكل تنسيق إلى «تبعية»، وكل اختلاف إلى «خيانة».

فالفتنة بين الشعوب لا تبدأ دائمًا برصاصة؛ أحيانًا تبدأ بعنوان مثير، ثم رواية انتقائية، ثم كلمة تُزرع بعناية لتوسيع المسافات بين الأشقاء.

السعودية لا تصب في مصلحتها مصر ضعيفة، ومصر لا تجني فائدة من سعودية ضعيفة أو مضطربة.

وإذا كان تاريخ المنطقة قد علمنا شيئًا، فهو أن أزمات الشرق الأوسط عندما تعصف لا تسأل عن جنسية من سيدفع الثمن.

ولهذا، كلما التقت الرياض والقاهرة، ينبغي ألا يكون السؤال:

«من يقود من؟»

بل:

«ماذا تستطيع هاتان القوتان أن تنجزا معًا لحماية مصالحهما وتعزيز أمن المنطقة واستقرارها؟»

فمصر لا تحتاج إلى سقوط الرياض كي تثبت مكانتها، والرياض لا تحتاج إلى تهميش القاهرة كي تثبت قوتها.

وما بين السعودية ومصر أكبر من أن تختزله أقلام تبحث عن خصومة، وأعمق من أن تهزه رواية عابرة؛ إنها علاقة تفرضها الجغرافيا، وتدعمها المصالح، ويمنحها التاريخ مسؤولية أكبر تجاه مستقبل المنطقة.

حفظ الله السعودية ومصر، وأدام بين شعبيهما الأخوّة والمودة، وحمى علاقتهما الاستراتيجية من أقلام لا تعيش إلا على حطب الأزمات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى