أخبار العراق

حين تبقى خارج الحكاية… لأن أحدًا لم يتعلم لغتك


بقلم دكتورة هلا السعيد
أحيانًا أتساءل: كيف يشعر إنسان يجلس بين أهله، يراهم يضحكون، ويتبادلون الأخبار، ويتناقشون في تفاصيل يومهم، بينما لا يجد من يشرح له ما يدور؟ كيف تمر عليه لحظة يقول فيها أحدهم: «الموضوع بسيط، سأخبرك لاحقًا»، ثم ينتهي اللقاء، وينتهي اليوم، ويبقى هو خارج الحكاية؟
في الثالث والعشرين من سبتمبر، يأتي اليوم الدولي للغات الإشارة ليذكرنا بأشخاص لهم حق كامل في أن يكونوا داخل الحكاية؛ يفهمون، ويسألون، ويختلفون، ويضحكون في اللحظة نفسها، دون انتظار من يتفرغ لنقل الحياة إليهم. وأشعر أن أجمل احتفاء بهذه المناسبة يبدأ بسؤال صادق: كم مرة أغلقنا باب التواصل دون أن ننتبه؟
تؤلمني فكرة أن يكبر طفل أصم في بيت يحبه، لكنه لا يستطيع أن يروي لأسرته يومه كما يريد. يحمل سؤالًا، أو خوفًا، أو فرحة صغيرة، ثم يصطدم بصعوبة التعبير والفهم المتبادل. الحب يحتاج لغة تصل إلى صاحبه؛ يحتاج أمًا وأبًا وإخوة يتعلمون كيف ينصتون إليه بالطريقة التي تناسبه، ويمنحونه مساحة آمنة للكلام والسؤال.
لغات الإشارة لغات طبيعية متكاملة، لها قواعدها وتراكيبها، وتحمل المعرفة والمشاعر والفكاهة والأفكار المعقدة. وهي متعددة، وليست لغة واحدة يستخدمها جميع الصم حول العالم. وحين نحترمها، فإننا نحترم هوية مستخدميها وثقافتهم، ونعترف بأن التعبير الإنساني أوسع من الصوت، وأن اليدين والوجه والحركة تستطيع أن تحمل حديثًا كاملًا يستحق الانتباه.
وأتمنى أن نراجع بعض العبارات التي نرددها دون وعي. فالصمم لا يعني غياب الفهم أو الفكر أو القدرة على اتخاذ القرار. ومن المؤلم أن نتحدث عن شخص أصم وهو حاضر، أو نوجه الأسئلة إلى مرافقه ونتجاهله، وكأن وجوده لا يكفي ليكون صاحب الإجابة. لنتوجه إليه مباشرة، ولنسأله عن طريقة التواصل التي يفضلها، دون افتراض أننا نعرف احتياجاته مسبقًا.
قد يفضل شخص لغة الإشارة، ويختار آخر الكتابة أو وسيلة أخرى. لذلك تبدأ المساندة بالاحترام والسؤال والصبر. ويمكن لكل منا أن يتعلم إشارات أساسية من مصادر موثوقة وبمشاركة أشخاص صم؛ تحية، وشكرًا، وكيف أساعدك؟ لكن تعلم كلمات قليلة يظل بداية للتقارب، ولا يغني عن مترجم مؤهل حين يتطلب الموقف تواصلًا دقيقًا.
وفي المدرسة، أتمنى أن نسأل: هل يفهم الطالب الدرس ويشارك في الحوار؟ وفي العمل: هل تصله تفاصيل الاجتماعات وتتاح له فرص التطور؟ وفي المستشفى: هل يستطيع شرح ما يشعر به وفهم ما يقال له بخصوص صحته؟ هذه أسئلة عن تفاصيل الحياة اليومية، وعن كرامة الإنسان واطمئنانه وقدرته على الاختيار.
كذلك أتمنى أن تصبح برامجنا وفعالياتنا ومحتوياتنا أكثر إتاحة، بترجمة إشارية مناسبة ونصوص مكتوبة واضحة بحسب احتياجات الجمهور. وأن يشارك الأشخاص الصم في تصميم ما يقدم لهم وتقييمه؛ فهم الأقدر على وصف تجاربهم، وتحديد العوائق التي نمر بجانبها كل يوم ولا نراها.
وأفكر في الأطفال الذين يمكن أن يكبروا وهم يرون اختلاف طرق التواصل أمرًا طبيعيًا. كم سيكون جميلًا أن يتعلم الطفل كيف يرحب بزميله الأصم، وأن تمنحه المدرسة فرصة للتعارف واللعب والتعاون معه، دون شفقة أو مبالغة. هكذا تتكون الصداقة، وهكذا يصبح الانتماء تجربة يعيشها الجميع في تفاصيل يومهم.
ولعل البداية تكون اليوم بخطوة صغيرة؛ نتعلم، ونسأل، ونفتح حوارًا حقيقيًا، ثم نحول اهتمام المناسبة إلى ممارسة مستمرة طوال العام.
في هذا اليوم، أمنيتي أن نمنح التواصل مكانه في بيوتنا ومؤسساتنا وقلوبنا. فحين يتعلم مجتمع كيف يفهم أفراده، تتسع الحياة للجميع. وأجمل رسالة نقدمها للشخص الأصم:
حديثك يهمني، ورأيك يستحق أن يصل، وسأبذل جهدي لأفهمك
لا تتركوا إنسانًا خارج الحكاية لأنكم لا تعرفون لغته؛ تعلّموها… فحقّه أن يُفهَم، وواجبنا أن نفتح له أبواب المشاركة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى