شخابيط شويب( 3)

بقلم المنهدس رسول العذاري
ومن الآيات التي أخذتني إلى تأمل طويل وعميق، قوله تعالى في سورة الفاتحة: “اهدنا الصراط المستقيم”.قد تبدو الآية قصيرة جدًا، لكنها تحمل في داخلها بحرًا من الأسئلة والمعاني التي تجعل الإنسان يعيد التفكير في مفهوم الهداية كله.كنت دائمًا أتساءل: هل الهداية شيء مخصص لأناس معينين فقط؟ هل هناك من خُلق للهداية وآخر خُلق للضياع؟ ثم كيف ينسجم ذلك مع عدل الله ورحمته الواسعة التي تحدثت عنها السورة نفسها قبل قليل؟شيئًا فشيئًا بدأت أرى الأمر بطريقة مختلفة وأكثر هدوءًا. شعرت أن الهداية موجودة للجميع، كالنور تمامًا، لكن الناس يختلفون في طريقة استقبالهم لهذا النور. فالشمس تشرق على الجميع، لكنها لا تدخل كل البيوت بنفس المقدار؛ هناك من يفتح نوافذه كلها، وهناك من يترك نافذة صغيرة، وهناك من يغلق الأبواب بإحكام.الهداية ربما ليست قرارًا يُفرض على الإنسان من الخارج، بل حالة تفاعل داخلي بين الروح وما يعرض عليها من نور ومعرفة وتجارب. لذلك نرى أشخاصًا يسمعون نفس الكلمات، ويعيشون نفس الظروف أحيانًا، لكن أحدهم يتغير من الداخل بينما يبقى الآخر كما هو.وهنا تدخل النفس البشرية بكل تعقيداتها؛ المزاج، والتجارب، والبيئة، والظروف الاجتماعية، والجراح القديمة، وطريقة التربية، وحتى اللحظات القاسية التي يمر بها الإنسان. كل ذلك يشارك في تشكيل استعداده للهداية أو رفضها. ولهذا ربما لا يصح أن ينظر الإنسان للناس بتعالٍ، لأن كل إنسان يحمل معركة داخلية لا يراها الآخرون.ما أجمل هذه الآية حين تقرأها بهدوء… “اهدنا”. لم تقل “اهدني”، بل جاءت بصيغة الجماعة، وكأنها دعوة لأن نسير جميعًا نحو النور، لا أن يحتكر أحد الحقيقة لنفسه أو يشعر أنه وحده الناجي.ومع الأيام بدأت أشعر أن الهداية ليست لحظة واحدة فقط، بل رحلة مستمرة. فقد يظن الإنسان أنه وصل، ثم يكتشف أنه ما زال يحتاج إلى هداية في فهمه، وفي أخلاقه، وفي رحمته بالناس، وحتى في نظرته لنفسه.ولدي تجربة شخصية جميلة جدًا حول معنى الهداية، وكيف يمكن لكلمة أو موقف صغير أن يغيّر شيئًا عميقًا داخل الإنسان… سأنقلها لكم في الحلقة القادمة.



