منوعات

 هل كنت نائما عندما كنت اهذي ؟!!


كتب : احمد الناصر الأحمد


على أديم هذه الصحراء الممتدة كخيال شاعرٍ صعلوك، أفضى به جنونه إلى فلسفةٍ عجيبةٍ ومريبة، وتلحّف صبرًا معلولًا يقاوم به الموت في هذه التضاريس المتنوعة، وفصولها المتعاقبة، وإيحاءات ليلها الخاص… حيث عُشب المواعيد، ورياح الأماني المقلقة. على هذه الصحراء تذبل أمنيات لتُزهِر أخرى، وتصمت قلوب بسبب الحب لتنبض قلوب أخرى للسبب ذاته. وعليها قد يتحالف الضد مع الضد ذات غفلة، وحين تبدو الشمس، تعود الأشياء إلى طبيعتها. {2} الشعراء وحدهم أجمل الناس… صدقًا وكذبًا. وإن قلتَ: أكثرهم، فأنت على مرمى حجرٍ من الحقيقة! الشعراء أقدر الناس على قلب الحقائق؛ ربما للأجمل… وأبلغ الناس في تقديم الأشياء على أنها الأنبل. الشعراء سَحَرة، يخلطون الأشياء المعروضة حتى تتمازج، ثم يفرزونها ويقدّمونها بشكلٍ جديدٍ يحرضنا على التصفيق. الشعراء يبالغون…


وإن قلتَ يكذبون، فلن تُخطئ الهدف! الشعراء يخاتلون، ويخادعون، ويقاتلون. مطاياهم تلالٌ من الثلج، ومطامعهم طفولية موجعة، لا تستدعي الخوف بمعناه القصي، فالاحتراس كافٍ لتفتيش كل الحقائب والأمتعة! يحارب الشعراء، فيستوردون أسلحتهم الخضراء والصفراء والبيضاء من مصانع لا يعرفها سواهم..يفجّرون قنابلهم… فلا يموت أحدا.هم وحدهم ينزفون، يطلقون آهات، ثم يلملمون أشياءهم… ويذهبون! {3} استوى الكرم، وتدلت العناقيد… دعونا نتفحّصها.لا، حبةً حبة… بل عنقودًا عنقودًا. هل الشعراء عصابةٌ خطِرة يجب الحيطة والحذر منها؟! هل الشعراء قبيلةٌ من الصعاليك تغرق بيومها، بمعزل عن الغد والأمس، تمارس رقصًا محمومًا على إيقاع اللحظة؟!


هل هم فئةٌ ذات قدراتٍ خاصة، وأسلحةٍ خفية، قادرةٍ على تشكيلنا وفق أهوائهم ورغباتهم؟ هل الشعراء أطفالٌ مختلفون، يمارسون عبثهم في نسقٍ لم نألفه؟! أليسوا هم من أقنعنا بأن وجه الحبيبة مثل القمر؟ فكذّبنا العلم أو تجاهلناه… وصدقنا ما قالوه لنا؟! من هؤلاء الذين تكون محبوباتهم أجمل نساء الأرض، وأحزانهم نسماتُ صَبا تشجينا وتوقظ أجمل ذكرياتنا؟! من هؤلاء الذين، إذا مدحوا، أقنعونا بأن الشمعة أهم من الشمس… لولا تواضعها؟! وإن هجَوا، جعلونا نرمي بماء النهر كل أشيائنا القميئة؟! من هؤلاء الذين يصورون أنفسهم طيورًا خرافية نادرة، لا يزوروننا إلا في لحظات استثنائية، فننشغل بترقبهم، ومن حيث لا نعلم… يجيئون ويذهبون، بعد أن يتركوا لنا أثرًا ننشغل به؟! {4} هل الشعراء نوعٌ مختلف من الجن؟!


كتب التراث الأدبي توحي بمثل هذا… و”وادي عبقر” اسمٌ محفور في صفحات تلك الكتب! {5} وتتوالى العناقيد، ونستمر في استقراء بعضها… لتعود الأسئلة: هل الشعراء عباقرة ونوابغ ومبدعون استثنائيون؟! في مجالات العلم والأدب، هناك من هو أجدر منهم بهذه الصفات المتفرّدة! هل الشعراء أفّاقون ودجّالون ومشعوذون؟! أتقنوا ألاعيبهم وحيلهم بشكل بارع، فألفناهم، وأحببناهم، وصدقناهم، وتحت سطوتهم تشكّلنا كما يريدوننا؟! هل الشعراء بشرٌ مثلنا، جاؤوا إلى الدنيا فوجدوا أنفسهم متورطين بما نحن مأخوذون به، دون أن يكون لهم حول أو قوة؟! هل ندافع عنهم، ونخاف عليهم، مما لا يخافون علينا منه؟! لكن، من أين تأتينا هذه الرجفة اللذيذة، والرعشة الغريبة، إذا حضر الشعر؟! هل هي منه؟ أم منهم؟! السؤال الأهم والأخطر:


هل الشاعر، بذاته، يبدو جسرًا ومعبَرًا تمرّ منه كل هذه الأشياء المحيّرة؟! أم أنها تتوالد بداخله، وتتنامى، ثم تأتينا بكل هذه الدهشة والرجفة؟! ثم، ما حجم سيطرة الشاعر على كل هذه العملية المعقدة في داخله؟! {6} في الصفحة قبل الأخيرة من أحد الكتب المجنونة، نُقشت هذه العبارة: “الشعر ماردٌ أسطوري، يبني بطريقة سحرية مستعمراته الخرافية داخل الشعراء!” من جانبي، سأكون مجنونًا وأقف عند هذا الحد… كونوا أكثر جرأة وجنونًا مني، وواصلوا البحث عن هذا المارد! وللبقية أقول: ماذا يجبركم على هذا الصدام العنيف بين أكفكم إذا حضر شاعر؟ وما الذي استفزكم لتفعلوا ذلك؟! من حق هؤلاء البقية ألا يجيبوا على هذا السؤال… ومن حقهم أن يتهموا الشاعر… الذي ليس من حقهم هو البحث عن المارد الخرافي! ولهم أن يصطادوا ما طاب لهم من الظباء… وبعض الوحوش .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى