لماذا تستحق الزيارة الاربعينية ان تدرس(4)

بقلم المهندس/ رسول العذاري
الفصل الرابع
حين تتحول القيم إلى سلوك
ليست زيارة الأربعين مجرد حشود تسير نحو كربلاء، بل هي منظومة من السلوكيات يصعب تفسيرها إذا نظرنا إليها بوصفها حدثًا عابرا. فالمشي لمسافات طويلة، وبذل الأموال، وخدمة الغرباء، والإصرار على العطاء دون انتظار مقابل… كل ذلك يطرح سؤالا مهما: من أين جاءت هذه الثقافة؟
يصعب فهم هذه الظاهرة بعيدا عن المنظومة القيمية التي تشكلت في مدرسة أهل البيت، والتي لم تكتفِ بالدعوة إلى الفضائل، بل سعت إلى تحويلها إلى سلوك يومي يعيشه الإنسان.
فالمشي، في هذه الثقافة، ليس مجرد وسيلة للوصول، وإنما رمز لبذل الجهد في سبيل المبدأ. وتذكر المصادر الإسلامية أن الإمام الحسن بن علي حج ماشيا مرات عديدة، مع أن الرواحل كانت مهيأة له، تواضعا لله وتعظيما للعبادة. كما نقلت روايات في بعض المصادر عن الإمام الحسين في هذا المعنى. ومن هنا لم يعد المشي عند كثير من الزائرين مجرد عادة، بل أصبح تعبيرا عن الاستعداد لتحمل المشقة حبًا وتقربا إلى الله.
أما المشهد الآخر، وهو إطعام الملايين، فلا يمكن عزله عن الثقافة القرآنية التي تربى عليها المسلمون، ولا سيما قوله تعالى:
﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا . إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا﴾.
قد يظن بعض المراقبين أن أصحاب المواكب ينتظرون الثناء أو الشهرة، لكن من يقترب منهم يكتشف أن كثيرا منهم يرفض حتى كلمة الشكر، ويردد: “هذه خدمة للحسين” أو “لا نريد إلا الدعاء.” وسواء عبّر بهذه العبارة أو بغيرها، فإن الفكرة واحدة: إن العطاء عبادة قبل أن يكون إحسانا.
واللافت في الأربعين أن المنافسة لا تكون على الأخذ، بل على العطاء. فكل موكب يحاول أن يكون أكثر قدرة على خدمة الزائر، وكل متطوع يبحث عن عمل يؤديه، حتى لو كان بسيطا؛ كتنظيف الطريق، أو توزيع الماء، أو حمل أمتعة كبار السن. إنها صورة تختلف عن المنطق المادي الذي يقيس النجاح بما يملكه الإنسان، بينما يقاس النجاح هنا بما يقدمه للآخرين.
ولعل هذا ما يفسر دهشة كثير من الزائرين والباحثين الأجانب. فهم لا يشاهدون مجرد تجمع بشري ضخم، بل يشاهدون مجتمعًا مؤقتا يقوم على التكافل الطوعي، حيث تختفي في كثير من المواقف الفوارق بين الغني والفقير، وصاحب المنصب والعامل البسيط، ويجتمع الجميع على خدمة هدف واحد.
وهذا لا يعني أن جميع المشاركين يبلغون المستوى نفسه من الالتزام أو الإخلاص، فكل ظاهرة بشرية تضم الصالح وغيره. لكن الحكم على الظواهر يكون بطابعها العام، لا بالاستثناءات. والطابع العام لزيارة الأربعين هو ثقافة البذل والخدمة والتكافل.
وربما في هذا يكمن أحد أسرار استمرارها واتساعها؛ فهي لا تقدم للناس خطابا نظريا عن الأخلاق، بل تجعلهم يعيشون الأخلاق واقعًا. وعندما تتحول القيم إلى سلوك، يصبح أثرها في النفوس أعمق من آلاف الكلمات، وأبقى من كثير من الخطب والمحاضرات.



