أخبار العراق

شخابيط شويب(2)


بقلم المهندس رسول العذاري

في تأملي المستمر لـ سورة الفاتحة، توقفت طويلًا عند الآية التي أشعر أنها من أكثر الآيات قربًا من روح الإنسان: “إياك نعبد وإياك نستعين”. كلما قرأتها شعرت أن الله لا يريد من الإنسان مجرد طقوس جامدة، بل يريد علاقة حقيقية بين العبد وربه، علاقة تقوم على القرب والثقة واللجوء.
فالعبادة هنا لا تعني فقط الصلاة والصيام، بل تعني أن يكون قلبك متصلًا بالله في خوفك وفرحك وضعفك وحيرتك. أما الاستعانة فهي ذلك الشعور العجيب حين تتحدث مع الله وأنت مؤمن أن هناك قوة فوق كل قوى الأرض، تسمعك حتى لو لم يسمعك أحد، وتفهم ما في قلبك حتى لو عجزت الكلمات عن شرحه.
ولعل من أجمل العبادات التي يعيشها الإنسان هي المناجاة. أن تجلس وحدك، بعيدًا عن ضجيج الحياة، وتتكلم مع الله بعفوية وتلقائية، دون تكلف ولا تعقيد. في تلك اللحظات يشعر الإنسان بقربٍ داخلي لا يشبه أي شعور آخر. تشعر أنك لست وحيدًا مهما ازدحمت الهموم، وأن هناك بابًا مفتوحًا دائمًا لا يُغلق أبدًا.
لكن مع هذا التأمل بدأت أفكر كثيرًا بفلسفة الدعاء واستجابته. فبعض الناس يظنون أن الدعاء وحده يكفي لتحقيق كل شيء، بينما الحياة نفسها قائمة على العدل والأسباب والسعي. فمثلًا، لو دعا شخص بإخلاص للحصول على وظيفة، بينما هناك شخص آخر أكثر خبرة وكفاءة واجتهادًا، فهل يكون من العدل أن تُسلب الفرصة من الأكفأ فقط لأن الآخر دعا أكثر؟ هنا بدأت أفهم أن الدعاء ليس وسيلة لتجاوز قوانين الحياة، بل هو جزء من التوازن الإلهي الدقيق بين الرحمة والعدل.
الدعاء لا يلغي العمل، بل يمنحه الروح. والسعي لا يتناقض مع التوكل، بل يكمّله. ربما لهذا كانت الحياة قائمة على فكرة: “اسعَ وكأن كل شيء يعتمد عليك، وادعُ الله وكأن كل شيء يعتمد عليه”.
ومع مرور الوقت، أصبحت أرى الدعاء بصورة مختلفة؛ ليس مجرد طلب للأشياء، بل حالة روحية عميقة تجعل الإنسان أكثر هدوءًا واتزانًا. أحيانًا تكون أعظم استجابة للدعاء ليست في حصولك على ما تريد، بل في الطمأنينة التي يمنحها الله لقلبك أثناء الانتظار.
وهكذا، شيئًا فشيئًا، بدأت أكتشف أن الإيمان الحقيقي لا يجعل الإنسان يهرب من الحياة، بل يجعله أكثر قدرة على مواجهتها، وأكثر فهمًا لمعنى العدالة والرحمة معًا.
وللحديث بقية…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى